تعليق تكنولوجيا
زياد ماجد

درونْ

17 نيسان 2026

ليس مبالغاً القول إننا نعيش منذ أكثر من عقد في مرحلة تكنولوجية جديدة عنوانها الـ«درون»، أو الطائرة المسيّرة الصغيرة التي غيّرت وتغيّر تفاصيل الحياة.
بدأ الأمر بالعلاقة مع التصوير. التصوير من ارتفاعات لمسح الأراضي، ثم لتقديم صور جوية مدنية أو عسكرية لمناطق، ثمّ لتغطية صحفية أو وثائقية لتجمّعات أو استحقاقات رياضية. ثم تطوّر الأمر سينمائياً ليصبح من النادر أن نشاهد فيلماً أو «فيديو كليب» من دون مسيّرات ومن دون صُوَر توفّر بُعداً آخر للمَشاهد والأحداث. 
في مرحلة لاحقة، أقحم باراك أوباما المسيّرات في «الحرب على الإرهاب» بحجّة بدء سحبه الجيوش الأميركية من أفغانستان والعراق ورفضه الاستمرار بعمليّات عسكرية واسعة النطاق. فكان لجوؤُه إلى ما سُمّي اغتيالات إطلاقاً لحرية عمل المسيّرات المبرمجة، التي قتلت المئات في أفغانستان واليمن بشكل خاص، ثمّ في العراق وسوريا، وكان بين ضحاياها العشرات من المدنيّين الذين انطبقت عليهم الخصائص الفيزيولوجية للمُستهدَفين من عناصر الطالبان والقاعدة ثمّ الدولة الإسلامية في الضربات المذكورة. كنّا يومها في بداية «الذكاء الاصطناعي» المُعسكَر، ولم تُثِر مسائل الاستهداف والقتل المبرمج والاغتيال وجرائم الحرب المستجدة الكثير من الاهتمام، إذ أنّ «الحرب على الإرهاب» تكاد تُجرّم نقدها وتستسهل الإيغال في دم ضحاياها. كما أنّ تطبيق القانون الدولي الإنساني على آلات صمّاء مُبرمَجة للقتل من الجوّ وفق قواعد بيانية ومعلومات استخباراتية أو تصوير مسبق، تطلّب اجتهادات جديدة وكلاماً حول المبرمِجين وحول أوامر القصف أو القتل الفوري عند الشكّ بالهدف من دون العودة الى «بشريّ» يُتيحه أو يحول دونه. وهي اجتهادات وكلام ما زال النقاش محصوراً حولها بخبراء يحاولون بلورة قواعد للأمر، ولو من دون تأثير كبير، حتى الآن، على المقرّرين والمنفّذين.
بعد ذلك، شهد علم الآثار وعلم الجنايات- كما عمليات البحث عن الضحايا تحت أنقاض أو داخل أنفاق أو في كهوفٍ وقعت حوادث فيها- تطوّرات بارزة على صلة بتطوّر أدوار الـ«درون» في حياتنا وبقدرتها على الدخول إلى أعماق أو مساحات ضيّقة، كما الكاميرات الصغيرة التي تُعين الجرّاحين في عملياتهم في المستشفيات. مثّلَ الأمر «ثورةً» في الميادين المذكورة، وسّعت من حضور هذه الآلة الطائرة متعدّدة الأحجام والمهامّ وفق الطلب والتخصّص.

على أن الحرب الليبية في فصولها الأشدّ عنفاً، في العامين 2015 و2016، أعادت ربط المسيّرات بالعسكرة، وشهدت ليبيا على الأرجح المواجهات العسكرية الأوسع اتكالاً على الـ«درون» وعلى فاعليته القتالية. فبين قوات الماريشال حفتر المدعومة من الإمارات العربية المتحدة وروسيا، وبين قوات حكومة طرابلس الغرب المدعومة من قطر وتركيا، نشبت أمّ معارك المسيّرات، التي انتهت بتفوّق تركي أوقف تمدّد حفتر من الشرق نحو الغرب ومنع إسقاط الحكومة الليبية يومها. 
وشهدت الحرب السورية عقب هذا الفصل الليبي تطوّرات كثيرة صار فيها «درون» تركيا أبرز عناصر القوّة لدى الفصائل السورية الشمالية، لا سيما هيئة تحرير الشام. 

في الوقت نفسه، كانت إيران وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا تخصّص موازنات عسكرية هامّة لتطوير هذا السلاح ونماذجه التصويرية والانقضاضية التفجيرية، أو الانتحارية كما تسمى، أو القادرة على استخدام ذخائر أثقل في عمليات القصف الموضعي وتصوير ما تقوم به والعودة إلى قواعدها سالمة. وتنافست جميعها مع تركيا، في إنتاج النماذج المختلفة بكلفٍ وبتقنيات متفاوتة، ولو أنها جميعها ذات قدرة عالية جداً على الأذية بأسعار «مُغرية» للمنتجين والمشترين المستهلكين.
وبرزت بناءً على هذا التطوير معطياتٌ حربية جديدة. إذ دارت بعد الغزو الروسي لأوكرانيا حروب «درون» ضارية بين موسكو وكييف، ما زلت مستمرّة حتى الآن. وقد لجأت الأولى إلى إيران ومسيّرات «شاهد» لدعم مسيّراتها غير الكافية عدداً للجولات الحربية المتواصلة، في حين لجأت الثانية إلى مسيّرات تركيا «بيرقدار» لسدّ ثغراتها العسكرية من أسلحة أميركية وأوروبية مرتفعة الثمن، ومحاولة الردّ على الروس قصفاً واستهدافاً لقواتهم ومنشآتهم الحربية والحيوية.
ولعب الـ«درون» دوراً حاسماً العام 2023 في حرب أذربيجان وأرمينيا على إقليم قاراباخ. وانتصرت باكو لأسباب عديدة، من بينها لجوؤها واسع النطاق إلى المسيّرات التركية (وإلى معدّات عسكرية إسرائيلية) تفوّقت على التجهيزات العسكرية الأرمينية المتواضعة، المعطوفة على عزلة يريفان التي لم يدعمها (ولَو على نحو محدود) سوى إيران.
كما لعب الـ«درون» الإيراني هذه المرّة دوراً مهمّاً في المسلسلات الحربية الإيرانية الإسرائيلية وخلال حرب «إسناد غزة» ثم «إسناد إيران» التي خاضها ويخوضها حزب الله منذ العام 2023. لكنّ حدود الأمر تبدو اليوم واضحة، إذ أنّ التكنولوجيا الأميركية والإسرائيلية الاعتراضية للصواريخ والمسيّرات دمّرت معظم المسيّرات قبل بلوغها أهدافها، ولم يتمكّن ما وصل منها من إحداث أضرار تكفي للتأثير في المسارات القتالية. الأمر الوحيد الذي يسُجّل للمسيّرات هو أنّ كلفة التصدّي لها تفوق مالياً بعشرات الأضعاف كلفة تصنيعها وإطلاقها. ويمكنها على مدى طويل، إن توفّرت بكمّيات ضخمة، أن تستنزف ذخائر المنظومات المضادة لها بما يرفع من نسبة الأضرار التي يمكن أن تُحدثها إن تعذّر إسقاطها.

لا شكّ أن اللبنانيين والفلسطينيين الغزيّين هم اليوم الأكثر معرفة وخبرة بأنماط الـ«درون» ومهامّها وأدوارها المتعدّدة.
فالإسرائيلي منها لا يفارق سماء لبنان وغزة فارضاً طنيناً كريهاً، وشعوراً دائماً بالتعرّض للمراقبة والتصوير وإمكانيات العنف وفرضيّاته التي لا نجاة منها. وهي تنقضّ بالفعل كلّ فترة على فرائسها وتطاردهم إن نجوا أول مرّة منها، وتصوّرهم وتصوّر لحظاتهم الأخيرة بكل ما تبوح به من «حتميّة» ووحشيّة فناء.
وثمة الكثير من الأخبار الموثّقة والدقيقة أو المبالغ فيها حول ما فعله الـ«درون» هنا وهناك، وحول اتصاله بضحاياه وتخييرهم بشكل موتهم أو ملاحقتهم أو مهاجمتهم بالنيران أو بالانتحار لنحرهم.

هكذا، صار لهذه الآلة المبرمجة الطائرة، ذات الصوت القبيح والمقدرة التجسّسية العالية والإصرار على الاستباحة والقتل، الحضور الواسع في يوميات ملايين البشر. تعيش فوقهم، وتُغِير أحياناً عليهم وتنفجر في وجوههم أو بيوتهم أو مواقعهم وآلياتهم. وصار لحضورها الإجرامي هذا ما يولّد الكوابيس للكبار، ويطبّع الصغار مع تحليقها في السماء المعلّقة فوقهم، ومع طنينها وكأنه صوت من أصوات الطبيعة المحيطة بهم.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

درونْ

زياد ماجد
صانعات السلام في بعلبك - الهرمل: كيف يدعمن مجتمعاتهنّ؟
«موتو تاكسي للسيّدات» يجوب بيروت رغم الحرب
16-04-2026
يوميات
«موتو تاكسي للسيّدات» يجوب بيروت رغم الحرب
وزارة الحرب الأميركية تستنجد بشركات السيّارات
حدث اليوم - الخميس 16 نيسان 2026
16-04-2026
أخبار
حدث اليوم - الخميس 16 نيسان 2026
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 16/4/2026