نقد أدب
خالد صاغيّة

رحلة فهد بدر الدين 

من «الوجوه البيضاء» إلى ملحق «النهار»

17 أيلول 2023

كُتب هذا النص كمداخلةٍ في مؤتمر «عن الأدب والسياسة: الياس خوري روائياً ومثقّفاً وصحافياً» الذي عُقِد في الجامعة الأميركيّة في بيروت في أيّار 2019. وهو يكاد يكون كولاجاً من أعمال الياس خوري، لا سيّما روايتا «الوجوه البيضاء» و«سينالكول»، ومسرحية «مذكرات أيّوب» التي كتبها خوري وأخرجها روجيه عساف في مسرح بيروت العام 1993، إضافةً إلى مقالات «الملحق الأدبي» لصحيفة «النهار» الذي ترأس خوري تحريره من 1992 إلى 2009.

لا يتناول النص إلا جزءاً يسيراً من مسيرة خوري الروائية والصحفية والسياسية، وهو عن خوري بقدر ما هو عن بيروت التسعينات التي شغل فيها خوري موقع المدير الفنّي لمسرح بيروت ورئيس تحرير «الملحق»، وهما المساحتان الثقافيّتان اللتان أدّتا دوراً أساسياً في تشكيل الوعي الثقافي والسياسي لي وللكثيرين من أبناء جيلي. منذ ذلك الحين، تغيّرتُ وتغيّر كثيرون وتغيّر الياس خوري نفسه. لكن لا يمكنني تصوّر ما نحن عليه اليوم، كأفراد، وما كنّاه أمس، من دون بصمات المسرح و«الملحق».

الآن، يتعافى الياس خوري من وعكةٍ صحيّة خطِرة. وما نشْرُ هذا النصّ اليوم إلا تمنّياً له بالتعافي الكامل.


أنا فهد بدر الدين. من مواليد بيروت 1954. ظهر اسمي للمرّة الأولى في رواية «الوجوه البيضاء». كنتُ عندَها طالباً في السنة الثالثة في كلية الآداب، ومقاتلاً في الحركة الوطنية اللبنانية. خسرتُ عيني اليمنى في الجبل البعيد، لكنّي رفضت التقاعد. قلتُ: سأعود إلى القتال، بالحماسة نفسها التي كنّا نهتف بها «عندما ملأنا الشوارع بتظاهراتنا الصاخبة». بقيتُ على هذه الحال، إلى أن نبت الدود على ذراعي. بدأت القصّة مع ذاك التلميذ من مدرسة الفرير في بكفيا. أضلّ مجموعته، فأسرناه. قلت له: لا تَخَفْ. نحن لا نقتل. لكنّهم قتلوه. قالوا لي: هذه حرب، نحن لا نلعب وهم لا يلعبون، يقتلوننا ونقتلهم. خرست ودخلت إلى خيمتي. وحين جاءت الأوامر، وتحرّكنا زحفاً في الليل، اصطدمتُ بجسم صلب يشبه الكاوتشوك المنفوخ. عرفتُ أنّه هو. التلميذ الأسير نفسه. فبدأت أركض إلى الوراء وأصرخ كالمجنون: لماذا لم تدفنوه؟ لماذا لم تدفنوه؟

أنا فهد بدر الدين. أنا الذي لم تفارقني الديدان منذ تلك اللحظة. وافقتُ على تغيير اسمي للظهور في فيلم يخدم «القضية». أصبحتُ محمّد السيّد. لكن حين أرادوا تصوير عيني الزجاجية، فهمت كلّ شيء. فهمتُ أنّ عيني ليست فرجة. فهمتُ أنّي فهد ولستُ محمد السيّد. فهمتُ أنّهم يتحدّثون عن الموت لكنّهم لا يعرفونه. الموت بشع، وهم يتحدّثون عنه كأنه شيء جميل. لقد حملتُ رفاقي المصابين بين ذراعيّ فعلاً، لكنّهم حين كانوا يحتضرون لم ينشدوا هتافات الحرية، بل كانوا يشعرون بالألم والحزن. فهمتُ أنّّهم لا يعرفون ما الذي جرى في الدامور. قلتُ لهم: لم أنسَ المسلخ والكرنتينا والنبعة وتل الزعتر، وإنّ المسألة السياسية تبقى هي الأساس، لكن نحن أيضاً، نحن نرتكب القتل والأخطاء. لكنّهم لم يفهموا.


أنا فهد بدر الدين. قالوا لي أنتَ تعبت في الجبل. أرسلوني إلى بيروت. وبقيت أنتظر في مركز وطى المصيطبة، إلى أن جاء ربيع جابر وأخرجني إلى العلن ثانيةً في رواية «البيت الأخير». هناك تحدّثت عن لقائي بإيليا خوري، من الأشرفية، الذي يكتب قصصاً، والذي كان معنا خلال التدريبات في صنّين. قلتُ لربيع إنّ إيليا أهداني كتبه كلّها. لكنّ ربيع لم يكترث. فلم أفصح له عن لقائنا الثاني الذي أخبرني فيه إيليا إنّه سيصدر ملحقاً أسبوعياً لجريدة «النهار». ربيع أراد أن ينساني وينسى الدامور وينسى إيليا وكلّ شيء. أمّا أنا، فكنتُ بحاجة لقصص إيليا كي أتذكّر، وكنتُ بحاجة لمقالاته كي أشعر أنّ حياتي لم تذهب هباءً بعد نهاية الحرب وانطلاق ورشة الإعمار، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي.


أحببتُ في «الملحق» دفاعه عن الحرب، عن المقاتلين الذين ليسوا كلُّهم زعرانَ ميليشيات كما جرى تصويرهم لاحقاً. أحببت روجيه، المخرج المسرحيّ، حين قال: لا أريد أن أبتر ذاكرتي. لن أنسى المتاريس، وقفتُ عليها حلمت بالحرية فيها.   
وأحببت مارسيل، المغنّي المفضّل عندي، الذي كنتُ أقضي الليالي في معسكر صنّين أستمع إلى أغانيه. أحببته أكثر حين قرأتُه يقول إنّ الاشتراكية باقية، وإنّه لن يتخلى عن ذلك الفرح وعن ذلك الأمل. فبكيت. بكيت لأني تذكّرت حين أردتُ أن أكونَ مع اليسار كي أصل إلى السماء وأحملها بين يديّ.
سبعون عاماً من التجربة الاشتراكية لا شيء في عمر التاريخ، قال مارسيل. سنجرّب مرّة أخرى لا محالة. سنبدأ من جديد كما وعدني إيليا حين همس لي: مرّة جديدة، سوف نكون وحدنا. بحر، ومدينة تشبه سفينة محطّمة، ورحلة إلى مجهول لا نعرفه. بيروت تشبه سفينة محطمة لا يضيء فيها سوى الليل، والبحر يترنّح في العاصفة، ونحن. نقول للسفينة إنّنا سنمضي معها إلى حيث تمضي. نقول لها إننا بحّارتها رغم اليأس والمرارة والخيبة. وإننا لا نملك في هذه الرحلة سوى حريتنا وصراخنا وحبّنا.
الله يا إيليا. نعم، سأركب السفينة وسنبدأ من جديد. الحرب انتهت، وكلّنا مهزومون. «اليسار هُزم، واليمين هُزم، والطوائف هُزمت. المنتصر الوحيد هو الفراغ». تعالوا إذاً نستأنف ما بدأناه، من دون سلاح هذه المرّة. ثمّة ما انقطع في العام 1982 حين انتهى مشروع الحركة الوطنية، وقد حان الوقت لإعادة وصله. صحيح أنّي في العام 1992، لكنّي أشعر بالحماسة نفسها التي شعرت بها في الـ1975 حين كنت مع طلال الجميل الذي قال لي عندما شاهد بوسطة عين الرمانة: الثورة بدأت. سنعبر الجسر بين التاريخين بدقائق. وها نحن نعرف الآن وجهة حربنا الجديدة: الجرّافة. جرّافة الإعمار. 


أنا فهد بدر الدين. وقفتُ في ساحة الشهداء يوم الأحد 26 نيسان 1992. «لم يكن هناك أحد. قليل من الفضوليين، وعدسات آلات التصوير، ولا أحد. لا أحد جاء يتفرّج على موت مدينة»… وحدي رأيتُ المدينة تتهاوى أمام ضحكات المهندسين والعاملين في شركة سوليدير، الذين كانوا كأنهم يتابعون الحرب بوسائل أخرى، كأنهم ميليشيا من التكنوقراط، يعتمرون خوذات على رؤوسهم، يقودون عمليات تزنير المباني بالديناميت، ثمّ مع أصوات الانفجارات يقهقهون.
كنتُ أراقب المباني وهي تركع، وأفكّر بسميح الذي لم يركع. سميح الذي كان ينزف ويرتجف في الثلج، فغطّيتُه بمعطفي وقلتُ له: سأعود. لكنّي لم أعد. قالوا لي: مستحيل. بسيطه. نعتبره شهيداً. وأنا أنظر فأرى الديدان على ذراعي. هل بات تلميذ الفرير واحداً من المخطوفين الذين تنتظرهم أمّهاتهم ولا يعودون، كما تفعل أوديت التي صاحت: كيف يعني؟ كيف يعني خلصت الحرب؟ ثمّ ذهبتْ إلى المسرح وتفرّجت على نفسها فوق الخشبة. قرأتْ أوديت حكايتَها في بروشور المسرحية، فعرفت أنّ اسمها لوريس وأنّها لا تفعل شيئاً سوى الانتظار. تحتفل كل سنة بعيد ميلاد ولدَيْها وتدعو أصدقاءهما، تشتري لهما الثياب الجديدة وتنتظر.
لوريس هي إحدى النساء الثلاث اللواتي عشنَ مأساة الخطف التي يرويها أيوب في المسرحية. لكنّ أيوب ليس شخصية فوق الخشبة. أيوب وُجد فعلاً. جمع بين مشاركته في معركة الاستقلال العام 1943، وتطوّعه في جيش الإنقاذ دفاعاً عن فلسطين في العام 1948. بقي في بيروت طيلة الاجتياح الإسرائيلي، وكان يكتب كل صباح شعارات الصمود على جدران المدينة، قبل أن يقف اليوم بعدما انتهت الحرب مذهولاً أمام جرّافات الإعمار. ما زال صوت الكمان الباكي عالقاً في أذني فيما صور الجرّافات تهدم ما تبقّى من وسط المدينة على شاشة فيديو فوق المسرح. يضرب أيوب عصاه فوق الخشبة ويصرخ: مش هيدي بيروت اللي بدّي إحكي عنها.

ميشال أيضاً خُطِف في بيروت، لكنّ حكاية خطفه لم تكن عادية. فقد أحبّ ميشال خاطفيه ووثق بهم. قال إنّهم من فقراء الجنوب ومظلوميه، فكيف يتحوّلون إلى ظالمين؟ وبالفعل، أذن له خاطفوه بزيارة قصيرة إلى منزله. هناك عانق زوجته ماري كما لم يعانقها من قبل. تقول إنه أمسك بها كمن يمسك بالحياة، ثمّ انتقل إلى مكتبه. اختار عدداً من الكتب بينها «مقدّمة ابن خلدون»، ليأخذها إلى معتقله. طلب ميشال من ماري أن تقول لابنته ألكسندرا إنّ أباها يحبّها كثيراً، وإنّه كقصة الإصبع الصغيرة التي كنت أرويها لها كل مساء، قولي لها إن والدها خُطف، لكنه نسي أن ينثر وراءه الحصى. حين غادر البيت مع خاطفه، رأته ماري للمرّة الأخيرة يصعد إلى سيارة بيضاء متأبِّطاً كتبه. كأنه في طريقه إلى المعهد، قالت.

مخطوفٌ «كأنّه في طريقه إلى المعهد». هل هذا واقع أم خيال؟ وماذا عن ألكساندرا التي نسي والدها أن ينثر وراءه الحصى؟ هل هي من عمر ألبرتو الذي فقدَ والده وهو في الخامسة، فاصطحبته عمّته الكبيرة إلى بيتها الريفيّ حيث لم يعش أكثر من عشرين عاماً بسبب السلّ الذي أتلف رئته اليمنى. صورة واحدة لم تفارق عيني اليمنى: مشهد ألبرتو الصغير يحزم حقائبه بنفسه، لا سيّما حقيبة الملابس الصغيرة التي وضع فيها زوجَيْ أحذيته الإضافيّين. هناك، في الريف، بات ألبرتو كايرو صديقاً لعازف الكمان الأعمى الذي قال له: أصابعي توجعني. ففكّرتُ بأصابع سعد الله الذي يقول إنّه توقّف عن كتابة المسرح عشر سنوات، منذ أن وطأ أنور السادات تل أبيب.

لم أعد أعرف إن كانت تلك القصص التي رواها لي «الملحق» قد وُجدت في الواقع. ولم يسهّل ليَ الكتّابُ المهمّة. فلا أحد في العالم يعرف إن كان ألبرتو الصغير هو نفسَه فرناندو بيسوا الذي مات مبكراً تاركاً وراءه صندوقاً خشبياً مليئاً بمخطوطات يوميّاته. وأنا نفسي لم أعد أعرف إن كان الباحث الفرنسي الذي وُجدت جثّته في حرج القتيل، هو ميشال سورا الذي قرأت عنه في «الملحق» أم هو جان بيار الذي قرأتُ عنه في «سينالكول» التي كتبها إيليا؟ لماذا يغيّر الكتّاب أسماء الشخصيات؟ لماذا غيّروا اسم أوديت إلى لوريس ولماذا لم يغيّروا اسمي أنا في «الوجوه البيضاء» ولماذا أرادوا تغيير اسمي في ذلك الفيلم؟ لماذا لا يمكن للروايات أن تكون حقيقية؟ وماذا عن الحرب؟ هل كانت حرباً حقيقية؟


على غلاف «الملحق»، ظهرت صورة كبيرة لمسرحية «لولا فسحة الأمل» لزياد الرحباني. وفي أعلى الغلاف، لجهة اليسار، صورة لسولجنتسين العائد إلى روسيا. وأنا أحبّ زياد لأنّه مثلي لم يخرج من الحرب، بل الحرب لم تخرج منه. 
ذهبت لأشاهد مسرحيته، فوجدته بلباس ضابط. ضابط يرتدي بزّة ألمانية من الحرب العالمية الثانية يصرخ في المشهد الأخير يا أرض انشقي وابلعيني بعدما ضاق ذرعاً باللبنانيين وسلوكهم. فهل هذا هو الدرس اليساريّ للحرب؟ أنّ كلّ ما فكّرنا به كان صحيحاً، لكنّ الشعب اللبناني «بيفرد»؟


مارون، المخرج الذي سقط من درج البناية ومات بعد عودته إلى بيروت، قال إنّه يذكر كيف كان القتال ينتقل من جبهة إلى أخرى، ومن حلف إلى آخر، فيما الجميع مستعدّ للتضحية بأي شيء إلا النظرية. لخّص مارون المسألة على طريقته. فلم يدرك الحزب الشيوعي أنه تحوّل من العلمانية إلى اليسار الإسلامي حتى يربح الشارع، ولم يدرك اليسار ما الذي يجري في الشارع المسيحي. قدّمت منظمة العمل الشيوعي نظرية الطبقة-الطائفة وأعطت تفسيراً للأوضاع قوامه أنّ المسلمين بروليتاريا والمسيحيين بورجوازية في النظام الطائفي. فمن تُراني أصدّق؟


في كلّ الأحوال، لم يتأخّر ضابط زياد الرحباني عن الوصول. أنا الذي تأخّرتُ وتأخّر «الملحق» قليلاً، لكنّ تحذيره علا أخيراً من الذئب الذي سيفترس لبنان. انتهى عهد الجرّافة، لكنّ كلّ شيء كان قد انتهى هو الآخر. بيانات المثقّفين لم تعُد تجدي. الحركة الطلابية بدت عاجزة. الاتحاد العمّالي العام هوى تحت الضربات المتكرّرة. وأبطالنا الأخيرون باتوا في أحضان الضابط. بقي إيليا يهتف بالعدالة والدولة الديموقراطية والعلمانية. لكن حتّى الأوراق والنقاشات السياسية على صفحات «الملحق» باتت في مكان آخر، تبحث عن ميثاق جديد بين الطوائف في بلاد كُتِب لها أن تعيش في المؤقّت الدائم.

أنا فهد بدر الدين. عمري الآن 69 عاماً. عيني الزجاجية لا تؤلمني. لكنّي توقّفتُ عن القراءة. أغلق «الملحق» أبوابه، وأدركتُ أنّي أخطأتُ حين صدّقتُ الروايات. صدّقتُ أنّ اعتراضي على مجزرة الدامور والأخطاء الأخرى التي ارتكبناها كافٍ ليجعل منّي بطلاً. صدّقتُ الرواية ولم أصدّق الرواة. لم أصدّق يوسف حبشي الأشقر حين سأل: أين الموقف من الحرب في «الوجوه البيضاء»؟ 


أنا فهد بدر الدين. لم أعد أعرف من أنا. فهد أم محمد السيّد أم أيّوب أم روجيه أم ميشال أم مارون أم الياس خوري. ربّما كنتُ كلَّهم. لكنّي حين أموت، وأنا أعرف الموت جيّداً، سأسمع أصواتكم من داخل القبر تصرخون: لماذا لم تدفنوه؟ لماذا لم تدفنوه؟

آخر الأخبار

تعليق

الموتوسيكل في وجه «الدولة»

سامر فرنجية
الاحتلال يستهدف زوارق الصيادين في رفح
سيناتور أميركي يستدرك: سوف تلاحقنا المحكمة بعد إسرائيل
اتّهام المخابرات المصرية بإفشال المفاوضات بعد خداعها إسرائيل وأميركا
إيرلندا والنرويج واسبانيا تعترف رسمياً بدولة فلسطين
النرويج: سوف نعتقل نتنياهو وغالانت إن صدرت مذكّرات التوقيف