نقد هلع أخلاقي
جوناثان داغر

 «صالون هدى»: قصّة الجسد المحتلّ

19 آذار 2022
 يحتوي هذا النص على سبويلرز من فيلم «صالون هدى»

الاحتلال الخفي

باستثناء جدار الفصل العنصري ولكنة عبريّة خارجة من سمّاعة التلفون، لا يظهر الاحتلال بشكل مباشر في فيلم «صالون هدى» الذي تدور أحداثه في بيت لحم. فرغم أنّنا في فلسطين، لا نرى جنود الاحتلال يمشون في شوارع مدنها، ولا حتى بالعبثية التي صوّرهم فيها إيليّا سليمان. هنا، جنود الاحتلال محجوبون خلف جدار الفصل العنصري، هكذا يخبرنا الفيلم في أوّل مشهد له.

هذا لا يعني أنّ الاحتلال ليس موجودًا في «صالون هدى». فهو يهيمن، من خلف الجدار على دوافع الشخصيات، ليصبح قوة قابعة في الخفاء، يستحيل على تلك الشخصيات مواجهتها مباشرة. فتلجأ إلى مواجهة بعضها بعضاً، لتجسّد الاحتلال وتتبنّى ظلمه وعنفه وذكوريته، وتمارسها على بعضها بعضاً بالنيابة عنه.

مجتمع يتسرّب إليه العنف عبر جدار، يشقّ طريقه من شخصٍ إلى آخر، محوّلًا الضحايا إلى جناة، حتى يصبح الجميع ضحية… سلسلة «صالون هدى».


«مستوحى من أحداثٍ واقعية»

بهذه الجملة يفتتح المخرج هاني أبو أسعد فيلمه، محذّرًا الجمهور من واقعية ما سيرونه. كان باستطاعته أن يحرّر قصّته من هذا العبء، وأن يعطي المشاهدين حرية استخلاص الواقع من القصة، كما يرونها هم: 

قصّة نساء يقاومن مجتمعاً ذكورياً. 

قصة مجتمع ذكوري يقاوم احتلالاً. 

قصة احتلال ينتهك أجساد النساء. 

فخلف جدران أخرى، جدران «صالون هدى» النسائي، تكمن قصّة الفيلم: 

تخدّر هدى زبونتها ريم. تنقلها إلى سرير في الغرفة الخلفية للصالون. هناك، يساعدها شابٌ في خلع ملابس ريم. يخلع ملابسه ويلتقي بالقرب من ريم المخدّرة. تصوّرهما هدى وتنتظر. عندما تستفيق ريم، تخبرها هدى بما حصل، وتطلب منها ببرودة أعصاب مرعبة أن تصبح عميلةً للاحتلال، مهدّدةً إياها بإرسال الصور إلى زوجها المهووس بالشكوك.

الواقع «المستوحاة» منه هذه القصة بغنى عن التعريف. فتتعرّض النساء للابتزاز كلّ يوم. وتتعرّض أجسادها للانتهاك كل يوم. وتتعرّض الفلسطينيات لعنف الاحتلال كلّ يوم. لذلك، لا يمكننا أن نقرأ تحذير المخرج بأن القصة مستوحاة من الواقع إلّا كنوع من بيان رفع المسؤولية. وكأنّ المخرج كان قد استبق ردّة الفعل التي سترفض الفيلم، وقرّر تحذير المشاهد «قبل ما نبلّش» أنه ليس مسؤولًا عن القصة التي سيخبرها. 

«الحقّ عالواقع». 


الجسم المكشوف

لا يستطيع أي فنان أن يدّعي أنه يمثّل واقع مجتمع بأكمله. وبالتأكيد، لا يستطيع رجل أن يدّعي أنه يمثّل واقع النساء. ولا يحتاج مخرج إلى تبريرٍ ليُظهر شخصية عارية على الشاشة، بالأخصّ عندما يكون هذا العري هو المحرّك الأساسي لحبكة الفيلم.

فالمشكلة في العري حين يأتي من خارج سياق القصة والفيلم. 

صرّح مخرج «صالون هدى» في مقابلة أنّه أراد من تعرية امرأة فلسطينية أن يعرّي الاحتلال على الشاشة. وبهذا التصريح البسيط، يكون المخرج قد وقع في فخّ تمجيد ما سعى لإدانته. فأراد الفيلم أن يصوّر استغلال الاحتلال لأجساد النساء، لكنّه بدوره استغلّ أجساد النساء لتصوير الاحتلال.

مع ذلك، المشهد يستحق التوقّف عنده. نرى في المشهد نفسه: 

تحرّش جنسي، إبتزاز، جسد الشاب المتحرّش، جسد المرأة التي تبتعد عن دورها النمطي وتلعب دور المتحرّشة، وجسد ريم العاري. 

المشهد يحتوي على كل ذلك، ولكنّ السجال لا يدور إلّا حول جسد المرأة العاري. وكأنّ المخرج يفرض على المشاهدين كل ما لديه من صور صادمة، طارحًا عليهم سؤالاً يعرف الجواب عليه مسبقًا: ما الذي يستفزّك؟ 


«الفيلم لا يمثّل فلسطين»

وبالفعل، أتت إجابة الجمهور لتحقّق نبوءة المخرج. أتى ردّ وزارة الثقافة الفلسطينية، وجزء كبير من جمهور الفيلم، ليؤكد أن: الفيلم لا يمثّل فلسطين.

لم تستنكر السلطات الذكورية دور الإحتلال الخفيّ في الفيلم، ولا النظرة الاستشراقية للمقاومة الفلسطينية، حيث لن نجد طوال الفيلم ذكرًا فلسطينيًا واحدًا رحومًا (فالرجل الوحيد الذي تعاطف مع ريم طوال الفيلم - ولو لتحقيق أهدافه- هو «موسى»، الجندي الإسرائيلي، وهذه رسالة سياسية من قبل المخرج).

ولم تنزعج السلطات الفلسطينية من عمل الاغتصاب ولا التحرش ولا الإبتزاز. انحصر النقد والنقاش بمسألة إبراز جسد امرأة عارية على الشاشة. عري المرأة هو المشكلة والأساس والباقي تفاصيل. 

فبين إدعاء المخرج تصوير المجتمع الفلسطيني ونكران السلطة الفلسطينية بأنّ الفيلم لا يمثّل فلسطين، نجد أنفسنا (مجدّدًا) بين رجال يتصارعون على أحقيّة امتلاك جسد المرأة. 


الممثّلة

وفي وسط صراع الرجال هذا، نجد الممثلة ميساء عبد الهادي، المرأة الفلسطينية التي وظّفت جسدها لتلعب دور ريم، كما تَصوّره رجل. فهي التي نالت القدر الأكبر من غضب الجمهور الذي طالب «بمحاسبتها». 

ريم: امرأة تعرّت من دون إذنها، ليستخدم الاحتلال صورة جسدها ضدّ مجتمعها الذكوري.
ميساء: امرأة فلسطينية تعرّي نفسها بكامل موافقتها أمام الكاميرا، وتستخدم الصورة لتواجه ذكورية مجتمعها ولتتحدّى الاحتلال وسطوته على أجساد مجتمعها.


الحقيقة والتمثيل يلتقيان، ليؤكّدا استحالة عزل المضمون عن الشكل. هنا قد تكمن حبكة الفيلم، التي ضاعت تحت ضجيج الرجال المتصارعين فوق جسم/جثة المرأة الفلسطينية.

آخر الأخبار

جعجع: الأمن الذاتي بحجّة مكافحة النزوح السوري
اجتياح رفح 
الإفراج عن الأكاديمية نادرة شلهوب كيفوركيان
خوفاً من مذكّرة اعتقال دولية
هكذا يعذّب الاحتلال الدكتور إياد شقّورة
جندي إسرائيلي يسرق جرواً من أمّه