تحليل
سلسلة
قراءات 2022
هادي بستاني

عن خطٍّ رفيعٍ يفصل بين عقاقير للتعاطي أو للعلاج

25 آذار 2022

الكيتامين

أذكر أنّ شخصًا كان قد طوَّر إدماناً على الكيتامين، طلب مني مساعدةً ذات مرّة. سمحت له هذه المادة بالهروب من واقعه المُستجدّ. فلم يكن لديه وسيلةٌ للخروج من البلد، سوى «الخروج» بواسطة الكيتامين، كونها مادّة فِصامية قويّة. طلب المساعدة لأنّه كاد لا يمرّ عليه يومٌ بلا لجوئه لتلك المادة. نفسيّاً، صار يغرق في مساحاتٍ تزداد قتامةً، لدرجةٍ وصلت إلى رغبته بوضع حدّ لحياته.

على بعد آلاف الكيلومترات، في مختبراتٍ مرموقة تُعنى بالطب النفسي- العصبي، تصدُر حالياً مئات التقارير التي يُحتَمل أن تصل إلى علاجٍ جديدٍ للاكتئاب: الكيتامين. يكشف بحثٌ سريعٌ على غوغل عن تجارب عشوائية- منظّمة تثبت فعالية الكيتامين في الحد بشكلٍ سريع من أعراض الاكتئاب. أبعد من ذلك، أعطت إدارة الغذاء والدواء مؤخراً موافقتها على بخّاخٍ أنفيّ يحتوي على الكيتامين، كعلاجٍ فوري للأفكار الانتحارية لدى من لديهم تلك الميول.

فما الفارق بين السيناريو الأوّل والثاني؟ كيف أمكن للمادّة نفسها أن تقود أحدهم إلى الأفكار الانتحارية، ثم أنّ تنقذ آخرين من نفس الأفكار؟ هنا بالتحديد، وجبَ على الطب النفسي أن يتدخّل للإجابة. بيدَ أنّه من المهم أن نفهم بدايةً أين يقف الطبّ النفسي اليوم، وضرورات البحث عن سبلٍ جديدة للعلاج.


الاستعجال في وصف الدواء

يهدف الطب النفسي، تاريخيّاً، إلى معالجة الاضطرابات النفسية باستخدام المؤثرات العقلية (الأدوية النفسية). ويُعتَبر «الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية» (DSM) المصدر الأكثر شيوعاً لتحديد تلك الأدوية، وتعمل الجمعية الأميركية للطب النفسي على تحديثه دوريّاً منذ أن نشرته. يتضمّن الدليل بشكلٍ أساس فئات الاضطرابات وقوائم لمراجعة الأعراض وبروتوكولات العلاج.

كانت نتيجة هذا النهج تجاه الصحّة النفسية فعّالة، ولكن، في الوقت ذاته، مُقلقة.

فعّالة، لأنّها جاءت كخُلاصة لطريقة عمل طبقّها العلماء في مجالاتٍ متعدّدة من الأبحاث. ذلك أنّ توزيع البيانات الفوضوية بشكلٍ مُركّز ومتسلسل ضمن فئات حسنة التنظيم والترتيب، يُعتَبَر في صلب التقدّم العلمي. ساعد هذا التنظيم الدقيق في التغوّل في أكثر العمليات الكيميائيّة تعقيداً- وينطبق الأمر ذاته في نظرية النمذجة القياسية (the standard model and particle physics). وعليه، يمكن اعتبار الأعراض بالنسبة للطب كالعناصر بالنسبة للكيمياء. التصنيف الدقيق للأعراض هو أساس إيجاد العلاج المناسب.

لكن المُقلق، مع ذلك، فهو معاملة نفسيّة الإنسان على أنّها مجرّد عضوٍ بين مجموع أعضائه، يُعامل كما يُعامل الكبد مثلاً، أو الطحال. يختزل عدد من الأطباء النفسيين أي ضائقة عقلية إلى مجرّد خللٍ في التفاعلات بين المواد الكيميائية داخل الدماغ. بالخضوع لمثل هذا الاختزال، تفقد المشاعر المعقّدة التي يعبّر عنها المريض أهميّتها، ويتحوّل التعامل معه بوصفه كتلة من المواد الكيميائية فحسب.

يمكن للطبيب النفسي أن يحسم بثقة أنّ الاضطراب النفسي ناتج عن خلل كيميائي فقط لا غير، وأنّ العلاج ليس سوى مادة مُحدّدة سترمّم توازن الخلل هذا. لكن غالباً ما يؤدّي هذا الموقف إلى تزايد شكاوى المرضى بعد زياراتهم للطبيب: حاولتُ شرح الأمور، لكنّه لم يكترث. استعجل في طرح سلسلة أسئلة، ووصف لي دواء.

ما ينقص هنا بسيط: لم يعد المريض يشعر أنّه مسموع.


تجارب الطبّ الحديث

بعد جردةٍ على «الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية» (DSM)، يتبيّن أن سؤالاً يحوم على كل صفحة: ماذا يريد الطب النفسي منّا؟. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه، هو ماذا نريد نحن من الطب النفسي؟. لا يمكن للإجابة أن تكون بسيطة، بل هي معقّدةٌ تعقيد الجهاز النفسيّ للإنسان، ويُفتَرَض أن تتضمّن عمليّة دمجٍ وتكامل.

حديثاً، حاول الطب النفسي التجريبي أن يُضيف بُعداً جديداً على الإجابة. فهو يأخذ بالاعتبار جزئيّاتٍ مثل الـPsilocin والـLSD والـMDMA، ويستخدمها ضمن أطرٍ محكومة، خلال جلسات علاج نفسي مُوجَّهة. تضع هذه المواد المرضى في حالاتٍ مُغايرة من الوعي؛ حالاتٌ يمكنها- لو عُومِلَت بشكلٍ صحيح- أن تحفّز وتسرّع العلاج.

تكسر هذه المواد الدفاعات النفسية للمريض، في إطارٍ آمنٍ ومريح، ما يسمح له بالوصول إلى النتائج بشكل أكثر كفاءةً. عقار الـMDMA مثلاً، أظهر نتيجةً واعدة لدى المرضى الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة PTSD، وقد صارت هذه التجارب السريريّة في مرحلتها الثالثة. 

عادةً، يواجه مرضى الـPTSD عقبات عديدة تمنعهم من الكلام عن الحدث الصادم. يساعد الـMDMA المريض على تجاوز هذه العقبات، واستدراك الحدث الصادم بحالةٍ أكثر إيجابيةً. أثناء وجود المريض في هذه الحالة، يحصل على الدعم الكيميائي اللازم لمواجهة الحدث الصادم بثقةٍ أعلى، ويتكلّم عنه من دون عبء التردّد والخوف الذي يُرافقه عادةً.

يُعدّ هذا المثل كعمليّة دمج وتكامل، تكسر الحدود بين علاجٍ كيميائيٍ بحت وعلاجٍ نفسيٍ بحت.

تستخدم العملية العلاجية في هذا النهج الجديد الجزئيّات المُدارة administered molecule كوسيطٍ، كتقنيةٍ تسمح للمريض بالمشاركة في تجربةٍ تساهم في علاجه/ـها بشكلٍ فعّالٍ، بشكلٍ نَشِط. وذلك بالضدّ من تناول حبوبٍ ثلاث مرات في النهار، تمنعه من القلق بشكلٍ مستتر ومُضمَر في الحبّة نفسها، حيث يغترب المريض عن الأعراض وعن علاجها.


دور المختصّ

من هنا، من هذا النهج الجديد، يمكن أن نستشفّ أملاً في مستقبلٍ أكثر تفاؤلاً للطب النفسي. من هنا، يمكن أن نجيب على الفرق بين مادّة الكيتامين كدواء ومادّة الكيتامين كمخدِّر للتعاطي؛ والفرق بين الـXanax الذي قد ينقذ شخصاً من نوبة هلع والـXanax الذي قد يقود شخصاً ما إلى حالةٍ من فقدان الذاكرة وفقدان الشعور بالأيّام التي تمضي؛ والفرق بين الـMDMA كعلاجٍ لاضطراب ما بعد الصدمة والـMDMA كمسبّبٍ للاكتئاب الشديد.

من المنظور الدوائي، لا يوجد فرق. هي المادّة ذاتها التي تصل إلى ذات المستقبلات العصبية، وتطلق ذات التدفّقات البيوكيميائيّة. لكنّ الفرق يكمن عند وجود مختَصٍّ في الصحة النفسية لمتابعة المريض وتوجيهه، بناءً على معرفةٍ راكمها المختصّ عبر عقود من البحث العلمي الدؤوب.

إنّه دور هذا المختصّ في تطبيق هذه المعرفة، في إطارٍ عياديّ كي تكون التجربة علاجية ومحرومة من المخاطر المُحتملة، التي قد تُرافق أي تغيير في كيميائيّات الدماغ.

حوّلت الأزمات المتتالية بلادَنا إلى أرضٍ خصبة للأعراض النفسية، تتطوّر الأعراض فيها، و«تزدهر». من هنا الأهميّة المُطلَقة لصبّ نظرنا على الطب النفسي، ولنتعلّم كيف نفهم مقارباته ونشكّك فيها في الوقت ذاته. يبقى النضال في الطب النفسي نضالاً شاقّاً، صراعٌ علمي وفلسفي وسياسي؛ وفقط عند إدراج كلّ هذه المنظورات في مقاربتنا، نحقق تقدّماً مريحاً بطبيعته.

سلسلة

قراءات 2022


آخر الأخبار

بعد الاعتراف بدولة فلسطين وزراء إسرائيل ينتقمون من الفلسطينيّين
علم فلسطين في مهرجان «كان» 
تعليق

الموتوسيكل في وجه «الدولة»

سامر فرنجية
الاحتلال يستهدف زوارق الصيادين في رفح
سيناتور أميركي يستدرك: سوف تلاحقنا المحكمة بعد إسرائيل
اتّهام المخابرات المصرية بإفشال المفاوضات بعد خداعها إسرائيل وأميركا