Powerbank


خلصنا نق ولك يا زكريا، خلصنا انهيار وانفجار وانتحار واندحار والفرار و و و. احكيلك عن شي تاني ولو خيي.

أشعر أنه من واجبي نقل وجهة النظر هذه التي طرحها أحد أصدقاء الطفولة أمامي بالحرف الواحد.

قال لي تلك الجملة أثناء تدخينه سيجاراً كوبياً مُهرّباً كان قد حظي به وحافظ عليه وخبّأه منذ سنة على الأقل. ينفخ «هواء كوبا» في وجهي خلال قراءته مقالي الأخير على موقع «ميغافون» بعنوان «الشحار» ويضيف:

مش بس نق… شحار كمان؟ يلعن عرضك شو نكد…

راقبت يدَه اليمنى التي يحمل بها الأي فون ويقرأ المقال بنفَسٍ ساخر، يده اليسرى منشغلة بالسيجار وعلى فخذه ينام الشاحن النقّال الـPowerbank. لا سخرية في وصفي حتى الآن، السخرية هي أننا كنّا جالسين بالعتمة بعد أن أطفأنا جميع مصادر النور في الشقة، سحبنا الشريط الكهربائي الخاص بالثلاجة، وكل ذلك من أجل الإحساس بلمسة المكيّف الباردة. الكهرباء مقطوعة والخمسة أمبير من المولّد ليست كافية لحياة «مرفهة».

قلت له : شرجلي تلفوني معك عهالـPowerbank.

أجابني: خلصت البطارية… روق شي نص ساعة وبتجي الكهرباء…. مفروض…

صفنت بالجدران التي لا أرى لونها. أطفأ هاتفه الذي كان مصدر الضوء الوحيد في الغرفة. الوضع صعب. ماذا نفعل حين تموت بطاريات حياتنا؟ من ينتشلنا؟ من يشرّجنا ويشحننا؟ لا كهرباء، لا ماء، لا موّلد، لا دولة، لا موتور، لا يو. بي. أس، لا بطارية خارجية ولا Powerbank…

حبل الحلول السريعة قصير.

يجلس صديقي في العتمة بعد أن بهدلني على بؤسي واتهمني بالـ«نق»، يقول لي:

لك منيح بعدنا قادرين نضوي هالمكيّف شوي.

إرضى، أرضوا، وتآلفوا مع أوضاعكم المتقلبة كالبورصة. سأتوقف عن الـ«نق».

أفكّر جاهداً بكتابة التحقيقات والمقالات المرحة. أحلم بإكمال روايتي التي بدأتها منذ سنوات ولم أرسلها إلى النشر لأنه «لم يحن الوقت بعد»، أفكر بعشرات الأفلام القصيرة التي كتبتها ولم أنتجها. أفكر ولا أصنع. فتلك البلاد تشتتنا عن كل ما نحب صنعه.

هذه بلاد المشاريع غير القابلة للتنفيذ. فشلنا وفشل الدولة واحد.

أتذكر شهري الأول كمهاجر منذ سنوات، حين بدأت أفكر بمشاكلي الحقيقية بعدما اختفت مشاكلي الإعتيادية الخدماتية والمعيشية اللبنانية. حين طارت الهموم «اللبنانية» من رأسي، استوعبت أنني كنت أقوم بإهمال نفسي على جميع الأصعدة أثناء انهماكي بالبحث عن حلول لكل شيء بحياتي اليومية على أراضي جمهورية ميشال عون المُفجّرة.

لطالما كانت حياتنا مُشغّلة كالطوارئ في المستشفيات. نبحث كل يوم عن حل سريع وفعّال وبأي سعر. وجدنا حلاً للكهرباء بالموّلد الكهربائي الخاص حتى تعب المولّد أيضاً فاشترينا الـPowerbank أو بنك الطاقة الذي يسمح لنا بشحن هواتفنا الجوّالة لعله يبقى لدينا بعض من الإرسال لنرسل وصايانا لأحبائنا في الخارج ونقول لهم:

زمطتوا يا عرصات… هاهاها

قطع صاحب المولّد الخاص التيار الكهربائي عن الشقة. مات المكيّف، مات الـPowerbank، ماتت هواتفنا الجوّالة.

وقف صديقي ومسكني من يدي وبدأ يراقصني ويغنّي ويفقد عقله ويقول:

على جهنم رايحين… متل ما الله واحد رايحين

وحّدوا أربابكم وآلهتكم، فهم الوحيدين القادرين على سماعكم، ولكن لا أضمن مساعدتهم لكم. أعتقد أن الله العابر لكل الأديان والمعتقدات غير قادر على تغيير شيء حيال أوضاعنا. الآلهة عادةً تُعطي من يعطون وليس من ينهبون.

اقتربت الذكرى السنوية. ذكرى ماذا؟ آه، الذكرى ما غيرها.

أصبحنا على مشارف تسمية الرابع من آب بالـ«ذكرى» كما نسمي مرض السرطان «هيداك المرض». في كل مرة يجتمع الأصدقاء في بيروت يحوّل الحديث مساره ليصبح كل ما نتكلم عنه هو الرابع من آب، نعيد ونكرر كل ما قلناه سابقاً. وأحياناً نروي ما حصل معنا للناس الذين كانوا معنا في المصيبة.

مجانين؟ مهووسين؟ تعبانين؟ يا حرام…

لا أجد نهاية لهذا المقال، لعلّ بنك الطاقة في داخلي بدأ يفرغ… ماذا أفعل؟

هل تُباع الطاقة في السوق السوداء أيضاً؟

مــــــلــــــف
سجلّ الانهيار

يحاول ملف «سجل الانهيار» أن يلتقط معالم ومعيش حالة انهيارنا الحالية. كل أسبوع، كلمة أو ممارسة أو مكان أو عادة أو فكرة، يتناولها كاتب أو كاتبة، لكي يـ/تصف تحوّلاتها أو التغييرات بمعانيها. على مدار الأسابيع والنصوص، نطمح إلى بناء أرشيف مفتوح أو قاموس متعدّد الأصوات لحالة الانهيار، علّنا نجد فيه بعضًا من الثبات في تشارك التجارب والمعاني. الدعوة مفتوحة للمساهة في هذا الملف، من خلال اختيار كلمة (قد تكون ممارسة أو إحساس أو عادة أو مكان…) ومحاولة وصف مآلاتها بعد أكثر من سنة من التحوّلات.


وقود النظام

عديلي عندو محطّة. رحت، شكّيت، وعبّيت بلا نطرة. بس بعدين استحيت من كلّ هالناس اللي ناطرة إلها ساعات ومهترية اعصابها. لقيت محطّة بالشرقيّة ما عليها نطرة كتير. صرت روح عبّي هونيك. وإذا بدّي شي تنكة منّو بقلّو يشيلها عجنب وأنا بجي بآخدها عَ رواق. أصلاً ما فيك تعرف شو بصير إذا شكّيت دغري عالطرمبة. معقول يتعبّى فيك واحد صار إلو ساعات ناطر

تمارين في الحفاظ على العلاقات

ثم أتى اقتراحٌ، يقول بأن نؤجّل كل العلاقات إلى ما بعد الانهيار. هاك، جدّياً، هكذا أفضل لكلَينا. غير أنّ صديقاً لي أخبرني أنّنا بحاجة كحدٍّ أدنى لسبع سنوات بعد الانهيار كَي نتعافى، كَي تنتظم دورة الاقتصاد - هذا إن تصرَّف الحكّام بنيّةٍ حسنة. حسناً، فلننجز حساباتنا: حينها، سنكون قد أصبحنا في مطلع الثلاثين.