الشحار

لطالما سمعتُ جدّتي وعمّاتي وعمومي وأقربائي في الجنوب يتراشقون كلمةً واحدة تُعبّر عن السخط بالـ«جنوبي»: الشحار.

الشحار كلمة لها مشتقات لغوّية عدّة. في حالة التفاجؤ نقول يا مشحر، في حالة النعي يا شحاري، وفي حالة الانهيار الجماعي، تشحّرنا. ولكن، فعليّاً، لكلّ جنوبيّ حالة ولفظ معيّن للكلمة.

ما هو مؤرَّخ عن الكلمة هو أنّه في عاداتنا السابقة في المآتم، حين يموت شخص عزيز، يقوم الأقارب والأهل بوضع فحم أسود على وجوههم ليتشحّروا حزناً على الفقيد، وهذا هو أصل الكلمة الحقيقي.

لكنّ الشحار يمكنه أن يكون نموذجاً عابراً في عالم التعبير عن الذات.


أجمل الهتافات التي سمعتها خلال أول أيام ثورة 17 تشرين، جاء على ألسنة نساء جنوبيّات في النبطيّة يصرخن:

يا تعتيري ويا شحاري، بدنا نردّ المصاري

كان هذا الشعار صائباً ودقيقاً. نحن نتشحّر ونتعتّر وليس هناك مخرج لمشاكلنا سوى بعودة الأموال.

الشحار هو أن نعيش أيضاً بلا مال.
الشحار هو أن نعيش بلا فرص أو مؤشر يدلّنا إلى يوم أفضل من أيام الانهيار الذي نمرّ به.
والشحار هو أن نفيض بالأمل في الوقت نفسه. أكره الأمل المزيّف، خصوصاً حين أجده في مواضيع نقاش حول «الثورة، تفجير المرفأ، الوضع الاقتصادي والكورونا».

ثمة من يحاول دائماً أن يُنسينا شحارنا ويحاول تلوينه.

رسمت مثلاً ناشطةٌ على الجدران المُطلّة على مرفأ بيروت، كنيسةً تُعانق مسجداً. واعتدنا على كليشيهات تفرض ما يُسمّى «لبنان العيش المشترك». تُحاول هذه الهرطقات أن تُنسينا شحارنا بإعادة كتابة جملة «دولتي فعلت هذا» بيد أحد الخطاطين المحترفين. الشحار أن نحوّل الغرافيتي إلى كاليغرافي. الشحار هو الناشطة والبلدية التي رخصت لها عملها. المضحك أن هذا الترخيص ليس ضمن لائحة أسوأ ما جنته البلدية على المدينة من سرقات وسمسرات ومواقف حقيرة أخرى.


الشحار هو الشحّ المنطقي.

الشحار هو أن نُكنّس الزجاج المُحطّم بعد الإنفجار ونحوّله إلى أثاث أو إلى حقائب نسائية.

الشحار هي خطوط الهجوم الضئيلة في الثورة مقابل خطوطٍ تمتدّ كيلومترات من السيارات التي تنتظر دورها لترتوي بالقليل من البنزين الذي فقد كل داعميه المعنويين والماديين.

الشحار هو 20 ألف ليرة حدّاً أقصى، حقنا الشرعي من الوقود لسياراتنا. 20 ألف ليرة لا تكفي لمسح مؤخرة طفل.الحفاضات باهظة، وكذلك الوقود والطعام والفوط الصحّية والواقيات الذكرية وفراشي الأسنان، حتى قنينة المياه أصبح معركة طبقية.

الشحار هو اللبناني صاحب «القضيّة اللبنانيّة» الذي يُذكرنا أننا نحن نعيش في الشحار وعلينا أن نفعل شيئاً هنا قبل أن نتضامن مع فلسطين. الشحار أيضاً من يقول «كانوا يريدون أن يحولوا لبنان إلى وطن بديل». الشحار أن نتفوّه بتلك الحماقات ونحن نعلم أن المخيّمات ليست بأي شكلٍ من الأشكال رديفاً للـ«وطن».

يا حبيبي! لبنان لا قضية له! لبنان هو مرآب سيارات كبير فارغ تُركَن داخله قضايا تتقلب دورياً وسنوياً. الفارق هو أن هذا المرآب فارغ اليوم. قضية واحدة فيه، وهي الشحار. ونحن نتقاسم شحارنا تلقائياً مع شحار أحبّتنا في فلسطين. أصدقاؤنا هناك كانوا يدعموننا بشتى الطرق خلال ثورة «17 تشرين الأول 2019». كانوا يقولون لنا إننا أعدنا الأمل لهم بثورتنا. وهم اليوم يعيدون الأمل إلينا بكل حجرة، بكل فيديو، بكل تصدٍّ وبكل هجوم وبكل المفرقعات، الأغاني والأسلحة، وكل أنواع المواجهة.

هناك إبادة جماعية تحصل قربنا والقاتل يحلم بإبادتي أيضاً يوماً ما ولا أشعر بالأمان. الشحار هو أن نكون حياديين حين نرى القصف على غزّة التي تشبه الضاحية الجنوبية وقانا وغيرها من مئات المجازر والاجتياحات والحروب التي ارتكبتها وشنّتها إسرائيل على أراضينا منذ بدء الخلق الصهيوني في أرض غيره.


الشحار هو أنني ولدت وترعرعت وسأموت والتطبيع الأول في حياتي هو أن حياتي ستكون مأسوية هنا، ولن أرى أياماً «أفضل». أرى إعلانات وأسمع أغاني تقول لي إنّ لبنان سيعود، وفي الواقع لم أعتد إلا على الأسوأ.

انا إبن السيناريو الأسوأ وسأتوقّع الأسوأ دائماً.

الشحار هو أن نفشل بكل ما نحبه.

الشحار هو أن نُصَدِّر كل من نحبّهم إلى الخارج. أن تكون الطريقة الوحيدة لنرى عيونهم عبر صورهم المرسلة عبر الواتساب. الشحار هو جواز سفر بلا أي نقطة وصول، هو فيزا «عاشق» أو فيزا «فنان تحت الخطر»، أو أي فيزا يمكننا الحصول عليها حقاً.

الشحار هو أن أخفي دمعي في المطار، وأن أنفجر في السيارة وأمسح عيني بعشرة آلاف ليرة قبل أن أدفعها لموقف السيارات، لأعود إلى بيروت التي كنت أحبها بأشخاصها وأماكنها، واليوم أماكنها اختفت وأشخاصها طاروا.

الشحار هو أن تكون هوايتي التوديع. وأقسى أحلامي أن يودّعني أحدهم في طائرة أو في كفن.

الشحار عابر لكل حالاتنا، ونحن أجمل المشحرين على هذه الأرض لأننا أصحاب هذه الكلمة بجدارة. كلمة بحجم معجم من مشاعرنا وحالاتنا وشخصياتنا المتعددة.

مــــــلــــــف
سجلّ الانهيار

يحاول ملف «سجل الانهيار» أن يلتقط معالم ومعيش حالة انهيارنا الحالية. كل أسبوع، كلمة أو ممارسة أو مكان أو عادة أو فكرة، يتناولها كاتب أو كاتبة، لكي يـ/تصف تحوّلاتها أو التغييرات بمعانيها. على مدار الأسابيع والنصوص، نطمح إلى بناء أرشيف مفتوح أو قاموس متعدّد الأصوات لحالة الانهيار، علّنا نجد فيه بعضًا من الثبات في تشارك التجارب والمعاني. الدعوة مفتوحة للمساهة في هذا الملف، من خلال اختيار كلمة (قد تكون ممارسة أو إحساس أو عادة أو مكان…) ومحاولة وصف مآلاتها بعد أكثر من سنة من التحوّلات.


رسالة من عواطف، إليك

أنا يا صديقي، ككثر في هذه البقعة، يصيبني القلق… وعندما يسيطر: أضحك. هل كنت تعرف أنّنا نضحك قلقاً؟ وهل تعرف أن القلق بالنسبة لعواطفنا هو كرجال الأمن بالنسبة للمتظاهرين؟ ما أن تحاول عواطف التعبير عن حضورها، حتى يكشّر القلق عن أنيابه بابتسامة أو حتى بنوبة من الضحك، تختفي العواطف قسراً

استوَيْنا

تركها الحجر وحدها معهمصراخ جارتيتصارع للحصول على نفقةفقر الدمّ أنهكهاتحمد الله أنّها ترضع طفلتهاها قد ناهزت السبعين وتريد الثأرتدّخر ما يأتيها من دولارات