أبعدُ مِن الوباء في بشرّي

تحمل أحداث بشرّي دائماً طابعاً خاصّاً. فتارةً، توحي المدينة بانفصالٍ كلّيّ عن باقي الأقضية، وتارةً أخرى تُظهر امتزاجاً تامّاً بها. كشف الوباء الحالي عن مدى جهوزيّة بشرّي في التصدّي له، وتأطيره بمختلف إمكانياتها. لكنّه كشف أيضًا نمطًا إقصائيًّا اعتدنا عليه في ممارسات السلطة. ولعلّ ما جرى مع الطبيب يوسف طوق يعبّر عن ذلك.

أصيب الدكتور طوق بالفيروس في بداية تفشّيه، كونه من الطاقم الطبّي المُشرف على مستشفى بشرّي الحكومي. حجرَ نفسه في منزله وبدأ ينتظر شفاءه لمعاودة القيام بواجبه، بينما دخل العديد من أهل بلدته بجدل بيزنطي- كما وصفه- حول أصل الوباء في بشرّي وشَيْطنة كلّ من يودّون الإشارة إليه بأصابع الاتّهام، ومنهم الدكتور يوسف.

يُشهَد للدكتور يوسف بتضحياته طيلة مسيرته المهنية كطبيب في القضاء، ومساعدة كلّ محتاج على نفقته. إلا أنّ كلّ ذلك لم يمنع الأسلوب الإلغائي من الوصول إليه بقوّة تخطّت قوّة الكورونا.

فقُطعت طريق منزله بالحجارة، وبآليّة للدرك سبّبت جدلًا كبيرًا واستفزازًا لا سابق له. وتحوّل الحجر الطوعيّ للدكتور إلى عزلٍ قسريّ من قِبل جهة نافذة مجهولة، قد تكون محليّةً أو إداريّةً حكوميّة.


لا تنفصل الطريقة البوليسيّة في عزل الدكتور طوق عن قرار أصحاب السلطة استغلال الكورونا لعزل كلّ مَن ليس لديه أيّ صلة بهم.
لم يسترح أصحاب السلطة الأقوياء طيلة فترة الحجر خوفًا من «الضعفاء». حصّنوا أنفسهم بإبرام صفقاتهم وبسط سلطتهم الميليشيويّة عبر كراتين إعاشة وزّعها مناصروهم لبعضهم بعضاً.

وكما أحضروا الشرطة لعزل طبيب المدينة، بنوا على نطاقٍ أوسع جدارًا وهميًّا يمنع أي مواطن يحصّل خبزه من العمل اليوميّ، ولو على بسطة في الشارع أو عربة خشبيّة، من دون تأمين أيّ بديل له.

هكذا أيضاً عزلوا أصحاب الدخل المحدود عن النظام المصرفي، حين أغروا كلّ من يحمل خمسة ملايين ليرة أو أقلّ في حسابه المصرفيّ، أن يقبض قيمة وديعته وينصرف.

عصفوران بحجر: لا مَن يشاغب أمام كونتوار بنك مطالبًا بأمواله القليلة، ولا من يسعى إلى قرشه اليومي مشكّلًا خطرًا لتفشّي الوباء.

فبالنسبة للسلطة، هناك وباءان عدوّان: فيروس بيوليوجي لا يفرّق بين قويّ وضعيف، وفيروس اقتصاديّ يهدّد أصحاب النفوذ والمال، وقد يغيّر موازين القوى ويهدّد أهل السلطة التقليديّين.


اعتدنا في بلاد الأرز الشامخة الأساليب الفاشية في ممارسة السلطة، شَيْطَنة الخصم وتعظيم خطورته، تارةً لتبرير وجود قوى تزعم محاربته، وتارةً أخرى لتحقيره لإظهار مدى عظمة تلك القوى. لا يخلو الفقر والكورونا والدكتور يوسف، طبيب الفقراء المصاب، من تلك الممارسات.

فحين كانت مليارات الدولارات تُهرَّب إلى الخارج، توجّهت أصابع الاتّهام إلى المودعين الصغار الذين «يشاغبون» داخل المصارف. عمد الإعلام تسخيفهم ثمّ إلى شَيْطنتِهم، قبل التسويق لتحرير حساباتهم وكأنّه حلّ للمشكلة النقديّة.

فبات أصحاب المليون وسبعمئة ألف حساب مصرفيّ الذين لا يملكون إلا اثنين بالمئة من قيمة الحسابات، يلخصّون المشكلة، ويُلخَّص حلّها بمجرّد التخلّص منهم من خلال إلغائهم من النظام المصرفي.

بالأسلوب ذاته، استخفّت السلطة بدايةً بخطورة الكورونا، ولم تتّخذ أي إجراءات متعلّقة بتوقيف الرحلات إلى مطار بيروت لأسبابٍ سياسيّة بحتة، ثمّ أبدت خوفها منه بتعظيمه من خلال الإجراءات الطبقيّة التي اتّخذتها بحقّ اللبنانيين. قمعٌ في طرابلس لثوّار انتفضوا وما زالوا بوجهها بعد تجويعهم وعدم تحمّل أي مدفوعات مثل سائر الدول الموبوءة.

أسلوب عنيف وقمعيّ يتردّد عند كلّ فرصة، ولا يميّز بين ثائر ومريض.

أداة هذا الأسلوب واحدة، وهي القوى الأمنية، سواء كانت في طرابلس بوجه منتفضين جائعين، أو كما قالت ألين، ابنة الدكتور يوسف، حول طريقة مكافأة والدها بعد محاربته الفيروس على نطاق القضاء: بَعَتولنا الدرك.

طلّاب

العالم، هذا العالم أًصبح أكثر وضوحًا. حذف الجمل الإنشائية والجمالية من نصوصه. كشَّر عن أنيابه. أزال طبقة التحضُّر المزيف عن وجهه. فتح باب قاعِه على مصراعيه. وقذف السيستم المتهالك بالطلاب نحو القاع... قاعه، وابتلعهم

الكفالة

هل لنا أن نذكّر بمعاناتهنّ المزمنة؟ تحرّش، فوقيّة وعنصريّة، ذكوريّة وقِحة، انتهاكات تصل إلى حد الاتجار بالبشر، عنف يصل إلى حد القتل، استغلال مستفحل يصل الى حد العمل القسري، وأصحاب منازل قد يتمادون إلى حدّ «التخلّص منها»