أبواق الحرب الأهليّة

كلّما مرّ يومٌ إضافيّ على الثورة، كلّما تأكّدت صوّابية الشعار الذي رفعتْه مبكراً: نحنا الثورة الشعبية، وإنتو الحرب الأهليّة. فالسلطة وأبواقها لم تقدّم حتى الآن أيّ مبادرة أو فكرة إلا التلويح المستمرّ بالحرب الأهليّة. ورغم استخدام خطاب الحرب من قبل أكثر من مسؤول سياسي، يبقى ما قدّمه الإعلامي جورج غانم الأكثر إثارةً حول هذا الموضوع.

أطلّ غانم عبر برنامج «صار الوقت» في حلقةٍ عارضاً لنظرية أقل ما يقال فيها إنّها كلام حق يراد به باطل. فقد أكد وأصرّ غانم أن الحرب الأهلية تبدأ دائماً بقضايا مطلبية. أكّد وجهة نظره باستعراض بدايات الحرب الأهلية المشؤومة، مصوّرًا إياها بأنها كانت مطلبية: بدأها الطلاب، ومرّت باعتصامات عمّال غندور، ثمّ مظاهرة صيّادي الأسماك في صيدا والتي رافقها اغتيال معروف سعد، وصولاً إلى حادثة عين الرمانة. أضاف غانم إلي كلّ ذلك السلاح الإقليمي مجسَّداً بالمقاومة الفلسطينية، والذي دخل على خطّ الصراع، فكان ما كان…

كلام الحق هو السرد الزمني. أما الباطل، فهو النتيجة التي أريدَ لنا أن نصدّقها لكي ننهي ثورة 17 تشرين. فما يحصل اليوم هو أنّه للمرة الأولى، قام الناس وبكل تركيبتهم الطائفية والاجتماعية على مطلب واحد، وهو إسقاط منظومة الفساد واستبدالها بحكومة أخصّائيّين مستقلّين. لا يوجد أي وجه شبه بين هذا النظام وما كان سائداً في ذاك الزمان، زمان ما قبل الحرب الأهلية حيث هيمنت تركيبة نظام طائفي رئاسي واسع الصلاحيات ومعادٍ لكل القضايا القومية. كانت الامتيازات الكاملة في الحكم وفي الاقتصاد محصورةً بطرفٍ واحد حيث ساد قولٌ مأثور يعبّر عن حقيقة الواقع في حينه ما لنا لنا، وما لكم لنا ولكم.

أمّا في ما يتعلّق بالسلاح الإقليمي، أي سلاح حزب الله، فسيدخل، بحسب غانم، على خط الثورة كما دخل السلاح الفلسطيني في عام 1975ّ، ناسياً أو متناسياً أن الفارق شاسع بين المرحلتين وبين السلاحين. فسلاح المقاومة الفلسطينية كان مدعوماً من عدّة أنظمة عربية ومغطّى دولياً من خلال اعتراف العالم بأسره بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثّل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. هل يتمتع سلاح حزب الله بالغطاء نفسه؟
فمنذ ٢٠٠٥، وفي ثلاث محطات، استطاع الناس إسقاط هيمنة حزب الله في الداخل.
كانت البداية في 8 آذار 2005 حين تظاهر الآلاف تحت شعار شكراً سوريا، فجاء الرد في 14 آذار 2005 حين أُخرجت سوريا من لبنان.
بعدها جاءت حرب تموز وما تبعها من اعتصامات وإغلاق للمجلس النيابي لحوالي السنتين، وتُوِّجَت المرحلة في 7 أيار 2008 واتفاق الدوحة. لكن جاءت انتخابات 2009 لتسقط 7 أيار ونتائجه بحصول الخصم المهزوم عسكريا على الأكثرية النيابية.
أما المحطّة الأخيرة، فكانت بالمخاض العسير الذي مرّ به البلد وصولاً إلى قانون انتخاب هجين أتت نتائجه بهذا العهد. اعتقد الكثيرون أنه نصرٌ جديد وبدأ جبران باسيل يهيّئ الظروف لانتخابه رئيسًا. ولكن للمرّة الثالثة، سقطت هذه الهيمنة مع ثورة 17 تشرين.

ربّما من الأجدى تذكير المهدِّدين والملوِّحين بالحرب الأهلية بأنّ ما من ثورة تغييريّة كانت لتقوم وتحقّق أهدافها لو أنها وضعت أمامها فشل الثورات التي سبقتها.