أبوكاليبس

هل سمعتم بالرجل الذي سقط عن ناطحة سحاب بعلوّ خمسين طابقاً؟ ليواسي نفسه، ردّدَ كلّما تخطّى طابقاً: حتّى الآن كل شيء جيّد، حتّى الآن كل شيء جيّد، حتّى الآن كل شيء جيّد… لكن المهم ليس السقوط نفسه، المهم كيف سيهبط.

مقدّمة فيلم «الحقد»، ماثيو كازوفيتش (1995).


فيديو متداوَل لمجزرة التليل بعدما انفجر خزّان بنزين فيها.
– ليك العالم كيف عم تحترق… لك ليك العالم كيف عم تحترق!!!

امرأة تجتاز الشارع دون انتباه، تمرّ أمام سيارة أجرة.
– نطّي قدّام السيّارة مدام شو رأيك؟
– أريَح والله أريَح… إذا بنط قدّام سيّارتك، بتخبصني؟

موظّف فندق في مكالمةٍ هاتفية على الرصيف.
– خيّي أنا بعد غيّر كولاس وبوجي؟ … شو بيعرّفني … طب شو بدك أعمل هلأ؟ عطيني جواب يخلّي عقلاتي براسي. عطيني جواب ما يعملني مجنون!

سائق أجرة في حديثٍ مع راكبة.
– مدام، والله أحسن يشيلوا الدعم، عالقليلة منصير نلاقي أغراضنا.
– لك شو أحسن؟ قديش بتعمل بالشهر انت 25 مليون؟ بيشيلوا الدعم، بتدفع تنكة بنزين 400 ألف واشتراك 5 أمبير مليون ليرة، وخلصوا مصرياتك!

أبوكاليبس: عبارة من أصل يوناني، معناها الأصلي يُشابه الكشف أو الرؤيا حينما تُحصَر بأشخاصٍ مَحظيّين من دون سائر الناس. «كشف الحجاب» تُعادلها عند العرب.
أمّا في استخدامها الحديث، فهي تُدلّل، ببساطة، على «النهاية». نهاية العالم عموماً، نهاية الزمن، نهاية فقاعة «البحبوحة»، نهاية الدعم، نهاية أبسط مقوّمات الصمود، نهاية أن ترى ابتسامة الرخاء على وجه من تحب، نهاية أن ترى وجه والدكَ من دون الجبين المعقود، نهاية أن تشتري الورود لأمّك في عيد الأم، نهاية أن تشبع العائلة كما يجب، نهاية التفكير ببرنامج العطلة، نهاية التخطيط للمستقبل، نهاية أحلامنا، نهاية طموحاتنا، نهاية علاقاتنا؛ نهايتنا. النهاية. نقطة انتهى. ينتهي. انتهاء.

رجل في الدكّان يقحم نفسه في حديثٍ عن الأسعار.
– انا صرلي سنة عايش عالعجين والزعتر. نسيت طعم اللحمة، قديش صار حق الكيلو دخلك؟ 200 ألف؟

سائق أجرة في حديثٍ مع راكبة.
– البنزين طبيعي يغلا لأن بيجيبوه من برا، فهمنا. بس الفواكة الي بتطلع هون ليش بدها تغلا؟ ملفوفة بـ7 آلاف. كيلو فواكة بـ30 ألف.
– كيلو ايه… بكرا ح نصير نشتري بالحبّة. خلصت إيّام الكيلو خلصت.

سائق أجرة يشتم يمنةً ويسرةً، ثم يلتفت إلى الراكب بجانبه.
– خيّي أنا عم بدفع فوق كل تفويلة 50 ألف ليرة.
– طيب بس يعني عم تفوّل. أنا سيّارتي صرلها أسبوع مقطوعة. دلني وين عم تفوّل.
– لأ ما بدلّك! مش مين ما كان بيفوّل بلا ما ينطر.

موظّفة قطاع عام اقترب موعد تقاعدها.
– كل سنة كنت شيل من معاشاتي مليون ليرة وحطهم بحساب ع جنب كرمال ولادي بعد ما موت. بـ30 سنة جمّعتلهم 30 مليون ليرة. هلأ صاروا ورَق تواليت.


هل سمعتم بالمجتمع الذي سقط عن ناطحة سحاب بعلوّ خمسين طابقاً؟ ليواسي نفسه، ردّدَ كلّما تخطّى طابقاً: حتّى الآن كل شيء جيّد، حتّى الآن كل شيء جيّد، حتّى الآن كل شيء جيّد… لكن المهم ليس السقوط نفسه، المهم كيف سيهبط.

خاتمة فيلم «الحقد»، ماثيو كازوفيتش (1995).

رسالة من عواطف، إليك

أنا يا صديقي، ككثر في هذه البقعة، يصيبني القلق… وعندما يسيطر: أضحك. هل كنت تعرف أنّنا نضحك قلقاً؟ وهل تعرف أن القلق بالنسبة لعواطفنا هو كرجال الأمن بالنسبة للمتظاهرين؟ ما أن تحاول عواطف التعبير عن حضورها، حتى يكشّر القلق عن أنيابه بابتسامة أو حتى بنوبة من الضحك، تختفي العواطف قسراً

من يقرأ هذه المقالات؟ مَن يكتبها؟

هكذا كان يبكي. هكذا كان يتخطّى يوميّاته. هكذا كان ينتظر في الطابور. هكذا كان يعرق. هكذا كان يشرَب. هكذا كان مُبنّجاً، يرى جثّة رجلٍ ويضحك. هكذا كان يَتقَوقع في منزله. هكذا كان يُعيد قراءة المقطع نفسه من خاتمة «مُجرّد تعب»