إلى أن ينبت العشب من تحت الزفت

أمضي ليالي وأنا أبحث عن شنطي وأغراضي ولا أجدها، ألمحها بعيدة، أذهب لآخذها، تختفي. أعلم بعدها أن أغراضي سبقتني إلى بيروت.

أستيقظ، ومثل كلّ صباح منذ أشهر، تأخذني ثوانٍ لأستدرك أين أنا.

هيدا شعور الهون والهونيك بدّو يبقى معك فترة طويلة، قالت لي صديقة فلسطينية غادرت رام الله الى فرنسا منذ سنوات طويلة، تزوّجت سورياً، أتى من سوريا إلى فرنسا منذ عشر سنين لأسابيع معدودة، وأصبح المؤقت دائماً والأسابيع سنينًا.

ولما بصير في مصيبة بالبلد وإنت بعيدة، في شعور جديد رح تختبريه، صعب، قالت لي صديقة لبنانية انتقلت هي أيضاً للعيش في باريس منذ سنوات، كنت أتكلّم معها على التلفون قبل أيام من اغتيال لقمان سليم.


أمام جامعة السوربون التي درس فيها لقمان سليم الفلسفة في باريس، والتي درس فيها سمير قصير أيضاً، نُظّمت وقفة تحيةً له بعد اغتياله. اجتمع لبنانيون وسوريون وفرنسيون، أغلبهم عاشوا في لبنان لفترات مختلفة من تاريخ البلد قبل أن يتركوه أو أن يطردهم منه. يرى البعض منهم في القادم الجديد حالهم القديمة، ويرى هو فيهم ما ينتظره في المُقبل من الأيام.

إلاّ أن المقبل من الأيام ليس هو ما يشغلني.

منذ لحظة قدومي الى باريس، انتعشت ذاكرتي وحواسّي بشكل رهيب، وعادت بي إلى البلد. تذكّرت أن المسافة تولّد الرغبة وتؤجّج الحبّ، وأن إمكانية الابتعاد عن أي علاقة هي من شروط دوام استمراريتها.

في النهار، أكون هنا وهناك، في مكانَيْن في الوقت ذاته وكلّ الوقت، وفي الليل، أغراضي هناك أو أنا هناك، في بيتي، أو في مركز اليوغا الذي أحبّ، أحضن من أُحبّ وأشعر بقربهم. هناك، سعي دائم لطمس الذاكرة، الفردية والجماعية، ورهان على النسيان والخوف من التذكر ولفلفة المصائب والجرائم. يبدو أنه، وبمجرّد أن ابتعدت عن البلد، بدأت الذاكرة بالتحرّر.


أتى اغتيال لقمان سليم الذي كان حريصاً على صون الذاكرة وأرشفتها، ليحفّز الذاكرة عندي أكثر، فعدتُ إلى إحساس أول اغتيال بقيت آثاره محفورة في معدتي. أتى ذاك الإغتيال بعد ثلاث سنوات على إصابة أمي برصاصة قنّاص تصيّدها وهي في مطبخ بيتها.

كنت في المدرسة، في منطقة فردان في بيروت، كان عمري تسع سنوات. توقفت الدروس وقتها. أذكر وجه زوجة حسن حمدان، مدام إيفلين حمدان، معلّمة الأدب الفرنسي في مدرستنا. أذكر الذهول العام على وجوه الأساتذة والجوّ الحزين والغاضب. هذا الذهول ذاته والحزن والغضب ظلّ يتكرّر على وجوه ناس آخرين على مدار السنين، ولا يزال.

تذكرت أيضاً يوم اغتيال المفتي حسن خالد في العام 1989، وصوت السيارة المفخخة التي انفجرت أثناء مروره بالقرب من دار الفتوى في منطقة عائشة بكار في بيروت. مكان التفجير كان طريقنا الذي نسلكه يومياً للذهاب إلى المدرسة. صوت الانفجار ذاته تكرّر مراراً هو أيضاً. سكنت فيما بعد ثماني سنوات بالقرب من مكان اغتياله، في طلعة الحديقة التي سمّيت باسمه، والتي صارت بعد أحداث 7 أيار 2008، تسيَّج بالأعلام السوداء في ذكرى عاشوراء، ثمّ تحوّلت مؤخّراً إلى موقف للسيارات.

القليل الذي كنت أتذكره من طفولتي، كنت أراه بالأبيض والأسود. هناك مراحل كاملة من عمري كانت تأتيني على شكل لوحة سوداء. بدأ الضوء بالتسلّل إليها منذ أن سافرت.


تعرّفت مؤخراً في باريس إلى فنان فلسطيني من غزّة إسمه هاني زعرب، يستعمل «الزفت» كمادة أساسية في لوحاته. أخبرني كيف استيقظ ذات يوم من العام 1988 بعد 40 يوماً على منع تجوّل فرضه الجيش الإسرائيلي، وخرج مع والده من المنزل ليرى أنهم «زفّتوا» الحيطان والأشجار والبيوت وأبواب الدكاكين. زفّتوا الحيطان كي يقضوا على آخر وسيلة تواصل وتعبير متاحة في غزّة، ومعها زفّتوا الأشجار وكل شيء حيّ.

معقول يكونوا رشّوا البحر؟ يسأل الولد أباه.
كلّو معقول، يجيبه.

استطاع هاني بعدها، من منفاه الباريسي، هو الممنوع من الرجوع الى بلاده، أن يحوّل الزفت الى مادة جمالية وفنية، نبتت الزهور عليه وبالرغم منه.

أخبرني أنه زار بيروت مرّة واحدة في العام 2019، قبل الثورة، أحبّها حباً رهيباً، وشعر وقتها أنه في فلسطين، وأنه يتمنى لو يعيش في هذه المدينة.

في الجلسة ذاتها، أخبر صديقان سوريان أنهما أنجبا ابنتهما في بيروت قبل قدومهما الى باريس، وأن ابنتهما تحبّ بيروت كثيراً وهي مرتبطة بها عاطفياً، وكان وقع تفجيرها قاسياً جداً عليها.

رأيت من جديد وأنا أسمعهم، البلد الذي أحبّ والذي عكست الثورة وهتافاتها جماله وسحره وحلاوة روحه، والمدينة التي بالرغم من كل شيء، يشعر الفلسطيني أنها مدينته، والسوري أنها مدينته، وكل من وجد جزءاً منه فيها.


منذ أن طُلب مني أن أكتب في ملفّ الهجرة الجديدة، وأغنية للشيخ إمام تعنّ في بالي:

هربت منّك لقتني بيكِ، بعدت عنّك قربت ليكِ، سهرتِ وحدي توانست بيكِ، غُلب حُماري وتاه سبيلي.

هناك، قهر وظلم وجوع وقتل وتفجير ودمار وكواتم للصوت وسرقة وإنهيار ووجوه المسؤولين القبيحة التي عادت وطافت على الواجهة. وهناك أيضاً ثورة وشجاعة وجمال وسخرية وناس مستمرّون بالرغم من كل شيء. وهنا، حبّ يكبر وقرب يزيد وذاكرة تنتعش وحواس مستنفرة لطعمات وروائح البلد، وسعي لحياة عادية لم نحصل عليها هناك، أعيشها هنا مع إحساس بالذنب أتغلب عليه أحياناً ويغلبني أحياناً أخرى، ومع إنفصام سأعتاد عليه، إلى أن ينبت العشب من تحت الزفت.

مــــــلــــــف
الهجرة الجديدة

يطرح هذا الملفّ جوانب مختلفة من موسم الهجرة الحالية، هجرة آتية بعد سنة من الثورة والانهيار والانفجار. ترسم مقالات المشاركين عالماً مسلوخاً بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهجرةً من دون عودة تؤمّن خلاصها.

الهجرة الجديدة، الهجرة الأخيرة سامر فرنجيّة
يوميّات مغترب جديد جوناثان داغر
المساحة بين هنا وهناك: عن الهجرة والذاكرة سنا التنوري كرم
إلى أن ينبت العشب من تحت الزفت ريان ماجد
في المنفى ركاكة رنا عيسى
الهجرة هجرتَيْن ألفة السعداوي
شجرة الثأر تانيا الخوري
انفجار جديد، انهيار آخر: المتاهة المتجدّدة فادي بردويل

تم نشر الملف في 13 آذار 2021.


في المنفى ركاكة

ما هي حال الحبيبة اليوم بعد الهجران؟ وكيف تعوّض هي خسارتها عندما خسرت أنا المكان؟ كيف سأرمّم هذا الشرخ الذي حدث عندما اضطررت (وكان لي القدرة) على مغادرة المكان؟

الهجرة هجرتَيْن

لماذا لبنان؟ أنّني هنا على الأقل لن أضطرّ أن أتكلّم لغة هجينة ركيكة، وأنّ عربيّتي حتّى وإن تبلّدت ستسعفني كلّ يوم في حياتي فيما لا يشبه الغربة إلّا في تغيّر موقعي من المتوسّط. وكم في هذا من عزاء!