استقالات النوّاب: الغموض الدستوري والشرعيّة الشعبيّة

غابت السلطات الدستورية الثلاث عن مشهد تحمّل المسؤولية بصورة شديدة الفداحة في ظل الكارثة التي حلّت بالعاصمة. لا بل ذهبت إلى إعلان حالة الطوارئ العسكرية، في سياق لا يُفهم منه إلا رغبتها بقمع أي مساءلة قد تطالها عن هذه الجريمة الموصوفة التي ارتُكبت بحق عشرات القتلى وآلاف الجرحى. المعادلة التي فُرضت هذه المرّة، وبفعل الكارثة وما تبعها، تصيب مشروعية استمرار السلطة الحاكمة بتولّي زمام البلاد: أوّلاً، لكون أفرادها مشتبهاً بهم. وثانياً، بفعل الصرخة الجماهيريّة المرتفعة من كل صوب «للانتقام من النظام».

أعلن رئيس الحكومة حسان دياب استقالته مستبقاً توالي الاستقالات الفردية لوزرائه، وأصبحت الحكومة الحالية في حالة تصريف أعمال. وعلى المقلب الآخر، تتوالى استقالات النوّاب بشكل فرديّ لتفتح الباب أمام إشكالية دستورية تتّصل بتأثير استقالة أكثر من نصف المجلس على بقائه أو اعتباره مستقيلاً.

لا يتطرّق الدستور اللبناني إلى امكانية استقالة مجلس النوّاب أو اعتباره مستقيلاً، ولا يتطرّق حتى إلى استقالة النائب. فما ينصّ عليه الدستور هو حالة شغور مقعد في المجلس النيابي من جهة، و«حلّ» المجلس النيابي من قبل السلطة التنفيذية (بطلب من الرئيس أو بمبادرة من الحكومة)، من جهة ثانية.

في حال «خلا مقعد»، تبعاً لحرفيّة النص، يجب إجراء انتخابات فرعية لملئه خلال شهرين. وما يجب التشديد عليه هنا، هو أنّ النصّ يتعلّق بـ«مقعد» وليس «مقاعد»، وأنّ نيابة العضو الجديد لا تتجاوز أجَل نيابة العضو السابق، فهو منتخب لإكمال هذه الولاية وليس لفتح ولاية جديدة.

أمّا لجهة حلّ مجلس النوّاب، فإنّ الحلّ- تبعاً للدستور- يكون في حالات ثلاث محدّدة، تتناول إحداها امتناع المجلس عن الانعقاد خلال عقدين متتاليين. فالدستور (المادة 65) يمنح لمجلس الوزراء صلاحية حل مجلس النواب في حال امتناعه عن الانعقاد طوال عقد عاديّ، أو طوال عقدين استثنائيين.

تقنياً، يبدأ العقد النيابي العادي القادم في أوّل ثلاثاء يلي 15 تشرين الأول المقبل. النصاب المطلوب لاعتبار جلسات المجلس قانونية هو نصف أعضائه زائد واحد. وبالتالي، في حال استمرّت الاستقالات بالتزايد وبلغت الأغلبية حتى ذلك التاريخ، يصبح المجلس معطلاً بفعل رغبة الأغلبية بعدم إتمام النصاب. أي أن المادة الدستورية القابلة للتطبيق وقتها هي حل المجلس من قبل الحكومة واجراء انتخابات نيابية. علماً أن الحكومة، عملياً، ليست ملزَمة باتخاذ القرار المذكور.

بالمقابل، لا يصحّ بأيّ شكل من الأشكال تطبيق النص المتّصل بشغور «مقعد» على شغور غالبية المقاعد. ذلك أنّ تفسيراً كهذا يؤدّي عملياً إلى إجراء انتخابات نيابية مبكرة بصورة مقنّعة، تحت عنوان انتخابات فرعية، وذلك تبعاً للقانون المرعيّ الإجراء حالياً، أي الذي أجريت تبعاً له انتخابات عام 2018. وبما أن النص المتعلق بحالات الشغور لا يؤدّي إلى فتح ولاية جديدة، إنّما إلى استكمال الولاية القديمة فحسب، نكون بالتالي أمام مجلس جديد بالكامل، ولكن لولاية مختصرة من دون إقرار قانون تقصير الولاية.

بكل الأحوال، فإنّ القراءة التقنية اليوم في ظل الوضع الاستثنائي والطارئ الذي تقف أمامه الدولة برمتها، يستدعي النظر أولاً وأخيراً إلى التفسير الذي يحاكي منح الشارع والناس أبواباً لتولّي زمام الأمور، تلافياً لسيناريوهات عنفية سيلجأ إليها الشارع عاجلاً أم آجلا إن لم يتخلَّ الحكام عن مناصبهم. وفي هذا السياق، لا بدّ أوّلاً من التذكير بأنّ إقالة رئيس مجلس النواب هي المسألة الوحيدة التي لا إشكالية دستورية حولها، وهي لا تزال متاحة أمام المجلس الحالي. ثانياً، وفي ظل استقالة الحكومة، فإن أي حكومة بديلة لا بد أن تأتي في سياق مسار انتقالي بصلاحيات استثنائية تسمح لها بتعديل النظام الانتخابي ويُترك لها قرار حل المجلس وإجراء انتخابات مبكرة من عدمها.

استقالة وزيرٍ لم يكُن

خرج وزير الخارجية ناصيف حتّي عن صمتهلم يُشِر بيان الاستقالة إلى أسبابهامجرّد مستشار صدّق كذبة حكومة التكنوقراطفهذه الحكومة سقطت يوم تعيينها

مَن الذي استقال؟

الشاشة مقسومة أراد الرجل الكئيب من استقالته مجرّد وجه يغطّي حالة الفراغ شكّل وهمًا لجيوش من الخبراء الذين أرادوا أن يبتزّونا