الإرهاب والكباب الطرابلسيّان

من إرث الوصاية السورية على العقلية الأمنية اللبنانية «تأصيل» التُّهَم وتجهيزها، بهدف الدعاية وبثّ الرعب. فمن تهمة العمالة التي تخصّص النظام السوري في لبنان بإلصاقها بالمسيحيّين المعارضين لوجوده، إلى تهمة الإرهاب التي تحاول السلطة اللبنانية بتركيبتها الإستخبارية والسياسية إلباسها لطرابلس والشمال، تندفع السلطة إلى لعبتها الخبيثة (المفضّلة) في إعادة أنظار بعض اللبنانيين إلى الصورة النمطية عن طرابلس والشمال، والتي كانت ثورة 17 تشرين قد أزالت بعضاً من آثارها.

تقوم السلطة بذلك في ظلّ تورّطها بجريمة المرفأ وأمام صعوبة اتفاق أطرافها على الحصص القادمة في حكومة مصطفى أديب (إن شكلت)، لتحويل الاهتمام الإعلامي الى «خليّة إرهابية» استهدفت عناصر من الجيش في الشمال. وقد سارع إعلام السلطة إلى استثمار هذا الخبر بهدف جليّ وواضح:

أوّلاً،
التعمية على الفشل الذريع في التعامل مع جريمة المرفأ ومعطياتها وآثارها وإخفاق ما تبقّى من أجهزة الدولة في عمليات البحث وإزالة الركام وفتح ملفات التحقيق التي لم تسفر إلى شيء حتى اليوم.

ثانياً،
إعادة خلق أجواء الخوف من عدوّ داخلي لا رادع له سوى السلطة نفسها وأدواتها.

يكفي استخدام الكلمات المفتاحية الثلاث: طرابلس، جيش، إرهاب، لتتشكّل على الفور صورة الرعب والتخويف من سيناريوهات قادمة من الشمال اللبناني، ولتوجيه دعوة مبطّنة للجمهور الذي تعيش في أوهامه مخاوفُ وأحكامٌ مسبقة، أن يلتفّ حول هذه السلطة التي فقدت كلّ شرعية لها بعدما باتت متّهمة بالقتل العمد وتصفية الأرواح وصفقات البيع والشراء والفساد والمحاصصة. وليس أسهل من إعادة الشرعية المستقطعة لهذه السلطة وأدواتها عبر إظهار قدرتها على التحكم في أمن المناطق، خصوصاً تلك التي تحكمها نظرة جاهزة. لذلك تعود السلطة إلى لعبتها في هذه الظروف، في اختراع شخصية لها محدّدات وصفات، تعمل السلطة الأمنية على ترسيخها. شخصية قادمة من عمق مناطق الحرمان السنية، ولها تاريخ ديني مشبوه ومرتبط بجرائم وإرث نفسيّ مضطرب.

تُعَدّ لعبة السلطة هذه قديمة ولا جديد فيها، سوى أنها تتقاطع اليوم مع خطاب شعبي يشكّك في دور الجيش وحمايته المواطنين، وفي كونه جزءاً مشاركاً في قمع التظاهرات ومتفرجاً على الإنهيار، وليس سوى اليد الحديدية لأركان السلطة الذين لم يجدوا بديلاً عن خطاب الحقد ضد طرابلس وأهل طرابلس، إلا من خلال سحب ملف الإرهاب والخلايا النائمة من أدراج المخابرات. لعبة تعرف السلطة تماماً كيف تديرها، وكيف تستخدم خطاباً أمنياً وسياسياً وإعلامياً، هدفه تأطير طرابلس في كونها مصدراً للإرهاب ولخلاياه وذئابه «المنفردة»، المصطلح المركّب الذي عملت السلطة على اختراعه، منذ عملية عبد الرحمن المبسوط عشية عيد الفطر في العام 2019.

في الشكل، لا جديد في هذه اللعبة. الضحايا هم عناصر من الجيش اللبناني، والمتورّط شاب آتٍ لا بدّ من المثلّث الجغرافي الذي يذكّرنا بسيناريو شاكر العبسي وفتح الإسلام. إذ يحدّد بيان الجيش المنطقة الجغرافية المحصورة بين طرابلس والمنية والبداوي، وما بينهما من مناطق تبدو في أذهان اللبنانيين أوكاراً تخفي في بواطنها تكفيريين وإرهابيين وكاميكاز. هذه اللعبة دعائية في الأساس، أهدافها تحويل الأنظار في ظل الانهيار الشامل في البلد إلى خلية هي صناعة استخباراتية معروفة، وثانياً، إعادة تحكم الجيش في مفاصل الإنهيار الكامل في شمال لبنان، في ظل انتشار فيروس كورونا وهجرة البعض عبر قوارب الموت إلى قبرص، والشلل الاقتصادي العام في الشمال.

وهذا ما يذكّرنا تماماً بلعب الدول الديكتاتورية والنظم الشمولية، من نظام السيسي في مصر، إلى نظام الجنرالات في الجزائر، في استخدام الجيش والإرهاب، كمصطلحَيْن أساسيَّيْن في إشاعة الخوف وبسط اليد العسكرية، ومن خلالهما إعادة الاعتبار لسلطة الموت والفساد وخطابها الأزلي في حماية المواطن من أعداء وهميّين.

السَّفَلَة

نحن السَّفَلَة الذين يتولّى حمايتَنا أبو خشبة شكّلنا حزب المصارف فقرّرنا الإطاحة بالقاضي الثاني فنحن نحاكِم ولا نحاكَم نحن السَّفَلَة الذين نعرف من جاء بالنترات نحن السَّفَلَة المؤتمنون على الدستور

عندما فقدت السلطة القدرة على الكلام

اكتساح فقدانها أبسط شروط السياسة، أي القدرة على الكلام اعتذارالحكومة المطروحة لو أبصرت النور كانت هي أيضاً «لا-حدثاً» حصانات فماذا يمكن أن يقوله محمد فهمي للنعوش التي طردته من منزله؟ صمت الانهيار هي لم تعد سلطة في وجه انهيار، هي سلطة الانهيار