البروباغندا تحاصرنا

كثيراً ما أقعُ على كتاباتٍ صحافيّة أو فيسبوكيّة أراني مُنسجماً مع ما تحويه مِن آراءٍ، لكنّني أنْفُرُ مِن نبرتِها الخطابيّة المُتعالية والوَعْظيّة: نبرة مَن قَبَضَ على الحقيقة ووضَعَها في جَيْبِه، ثمّ شقَّ دربَه موقِناً بأنّ التاريخَ يسير خَلْفَه وعلى خطاه.

إحدى أبرز ركائز هذه الكتابة نبذُها لكلِّ شَكٍّ ولأيّ التباسٍ، ما يَحْمِل الكاتبَ تلقائيّاً على اقتراف مبالغاتٍ لا تَعْرِف حَدَّاً، وتتَّسِم أحياناً بشاعريّة مفرطة، ركيكة ومبتذَلة. أما القارئ، فيجد نفسه أمام خيارَيْن لا ثالث لهما: إمّا المُبايعة العمياء، وإمّا رفض كلِّ كلمةٍ جاءت في النصّ.

ليس هذا الأسلوب الكتابي حكراً في لبنان على ما يُسمّى “خطاب المُمانعة”. فغالباً ما أشرعُ بقراءة مقالٍ في هجاء هذا الخطاب، أتخيَّلُ مُسبقاً، مِن عنوانه، أنني سأؤيِّدُ، مثلاً، معظم ما سيرد فيه مِن نقدٍ لاذع لمثقفي المُمانعة؛ لكنّني، عند بلوغ منتصفه، أكون قد أُصِبْتُ بعَتَهٍ مِن جرّاء لهجته التبشيريّة الصارمة، ما يولِّد لديّ رغبةً جارفةً في أن أهتُفَ: «لبّيك يا نصر الله!».


التاريخ لا ينسى: بهذا اليقين المُطلق يستهلُّ صهيب أيّوب مقالتَه التي كتبها تعليقاً على احتفاليّةِ تكريمٍ لأدونيس، أُقيمت في الجامعة الأنطونيّة وانتشرت بعدها صورةٌ للشاعر مُقَبِّلاً السفير السوري لدى لبنان.

يمكن تلخيص هذه المقالة بجملة واحدة، وهي أنّ كاتبها يكره بشّار وأدونيس، ويؤمن بأنّ التاريخ لن ينسى مواقفَ الأخير المُعادية للثورة السوريّة.
أنا أيضاً أمقتُ بشّار، بل أتمنّى له عذاباً أبديّاً؛ لكنّني لستُ مُتأكِداً مِن كراهيتي لأدونيس: كلّ ما أستطيع قوله هو أنني أحتقر مواقفه مِن الثورة السوريّة. أمّا مسألة تحديد ما سيذكره التاريخ وما سينساه، فهي، في ظنّي، ضربٌ في الرمل.

جميلٌ أن تُخالِف امْرَأً في أمورٍ وتوافقه على أخرى. لكنّ أيّوب لا يُتيح لكَ هذا الهامِش مِن الحريّة. فعِلْمه اليقينيّ يُخوِّله الجزمَ بأنّ كُتُبَ التاريخِ ستساوي بين مواقف أدونيس ومجازر بشّار: سنقرأ (يوماً ما) أن أدونيس، كان شاعر بلاط خفيّ، وقاتل معنوي يساوي ‘جزار سوريا’ بشار الأسد، في شحذ السكاكين على رقاب السوريين.
أهابُ الاعتراضَ على جملة كهذه. إذ أشعرُ – وقد يكون شعوري خاطئاً – بأنني لو تجرأتُ وقلت، متوخّياً الدِّقَّة فحسب، إن الموقف نادراً ما يساوي الفعل، فسيقرأ أحفادي اسمي في كُتُبِ التاريخ، بعد اسمَيْ الطاغية والشاعر.


لا أستسيغُ الشعرَ عموماً، ولم أقرأ، تالياً، أيّ قصيدة لأدونيس. قد يغفر لي ذلك هوسي الجرميّ بالدِّقَّة. لكن مَن يُحِبّ شعر أدونيس ويبغض مواقفَه، فمصيره في كتب التاريخ أسوأ مِن مصيري، إذ يُخاطِبه أيّوب مُهدِّداً: لا بد من أن يقال للشاعر الذي أطاح بالثورة منذ لحظتها الاولى، أن شعره لا يعنينا. شعره الذي صار اليوم، صفائح مبللة بالدم السوري. صفائح مبلّلة بالدم السوري… لا شكّ في أن مَن سيقرأ الأبياتَ المكتوبة عليها، ستتلطّخ يداه بدماء الضحايا.


بماذا يُعلِّل الكاتبُ طرحَه بأن التاريخ لن يَنسى؟ بـحجّة وحيدة تنطوي على مغالطة.

مُتوعِّداً الشاعر بأنّ قصائده ستُرمى في مزبلة التاريخ، يقول أيّوب: «والحال، أن أدونيس الذي يعيش في باريس، مدينة الثورات، يجب أن نذكره بأن أحد أكبر كتاب فرنسا، الذي صفق للنازية، الكاتب سيلين، امتنعت ‘غاليمار’ (منذ عام تقريبا) عن نشر اعماله، بعد نقاش طويل حول موقفه الأخلاقي من القتل والذبح والتهجير». مَن يقرأ هذه الجملة قد يظنّ أن أعمال سيلين ما عادت تُطبع ولا تُنشر. لكنّ الحقيقة هي أنّ “غاليمار” أرجأت إلى أجلٍ غير مسمّى نشرَ بضعة نصوص مُعادية لليهود ومُناصرة للنازية، كان سيلين، قبل وفاته، قد أوصى زوجتَه بعدم إعادة نشرها. أما رواياته جميعها، وهي التي قامت شهرتُه عليها، فلم تتوقف «غاليمار» عن إصدارها قط.

أتساءل أحياناً لمَن يتوجّه هذا النوعُ مِن الكتابة الوعظيّة الرائجة، ومَن هو قارئها الأنموذجي. بالطبع ليس الفَرْد الذي يُفكِّر ويشكّ ويتردَّد، وينفُر غالباً مِن الحقائق السرمديّة. فمَن هو، إذاً، القارئ الذي ينتشي بذلك الصوت الجهوري، المؤنِّب والمُؤدِّب، والذي يسقط عليه مِن الأعالي سقوطَ الكلام الربّاني؟

لحسن الحظّ أنّ صهيب أيّوب، ربّما على غفلة منه، يُرشِدنا إلى الجواب عندما يكتُب أنّ المثقف ليس متفرجاً، وليس عدائياً ضد الشعب. هو منه وفيه، وعليه هناك معايير أخلاقية عليه التحلّي بها تجاه قيم الإنسان وكرامته وحرياته.

المُثقَّف مِن الشعب وفيه. هو، إذاً، مَن يخطب في تلك الكتلة البشرية المُتجانسة والمُلتحمة، والتي يتوهَّم أنها الشعب. هو مُرشِد الأمّة، يخطّ مقالات تنطق بالحقِّ، وعلى قارئها التخلّي عن فرديَّتِه لكي يذوب في الجماعة ذوباناً صوفيّاً.


لهذه الكتابة التي تَنْبُذُ الدِّقةَ، وتجهل التردّدَ، وتهوى المبالغات، وتستخدم المغالطات حججاً، وتسعى إلى تخديرِ العقلِ وتوحيدِ الصّفِ… لهذه الكتابة اسمٌ شائع التداول: البروباغندا. وحتّى عندما تُنتهَج في سبيل قضيّة مُحقّة، ولا تكون مُمَثِّلةً لمنظومة سياسية، فهي تبقى بروباغندا. إنّها الكتابة الأكثر انتشاراً في صحافة الرأي العربيّة، وليس المقال الذي تناولتُه إلّا مثالاً جزئيّاً عنها، أخشى أنني كنتُ مجحفاً في انتقائي إيّاه من بين أمثلة وفيرة أخرى، علماً أنّ مقالات صهيب أيّوب الأخرى تبتعد عن هذا النموذج.

أن يختار التْرَند متى تكون فلسطين كوول ومتى لا تكون، وأن يفشَل

وهنا القَول بأنَّ المقاومة بطبيعتها مضادّة لمجتمع المشهد: والمقاومة تعني المقاومة بكافة أشكالها، دون استنسابية أو تفضيل او اشتراط؛ من المادة الإعلامية التي قدّمها الأخوان الكرد في الشيخ جرّاح، إلى صواريخ أبو عُبَيدة في غزّة. هؤلاء، تخطّوا الوهم الذي يحجب الحقيقة على حساب صورة الحقيقة، اخترقوا ستارَة «مجتمع المشهد».

هل سمعتم بالمِهبَل من قبل؟

مهبل؟! هاه!بيار ربّاطالرجعيّة الجنسيّةالنظام الاجتماعيّ التسلّطي والأبويّالاستمناء، أو إمتاع الذاتتجديد النسلرعشة النشوةاللّذة المُتأتّية عن كل أعضاء الجسدممحونة، في محنتوعية جنسية نافية للنشاط الجنسيالمسألة الجنسيةمسألة ثوريّة