عن التضحية في ظلّ المجتمع الأوليغارشي


لازمة 1:

يجري في بعض الأوساط قول مفاده أن كل أزمة اقتصادية هي فشل للاقتصاديين. فبعد شهرين من وقوع أزمة 2008 المالية، اجتمعت الملكة إليزابيث باقتصاديي «كلية لندن للاقتصاد» الشهيرة، وسألتهم: لماذا لم ينتبه أحد إليها (الأزمة)؟. لم تعرف نخبة اقتصاديّي بريطانيا كيف تردّ وأرسلوا لاحقا للملكة رسالة اعتذارية جاء في ختامها ما يفيد أن هناك أسباباً كثيرة للأزمة وحدّتها، ومنها فشل المخيّلة الجماعية للعديد من الأفراد اللامعين محلياً ودولياً في فهم مخاطر النظام ككلّ. إلا أن الاقتصاد ليس ظاهرة طبيعية ولا انهياره كارثة طبيعية تحدث فجأة من تلقائها. الأزمات، ومنها التي وصلنا إليها في لبنان، هي محطة على درب السكة التي وُضع عليها المجتمع، إرادياً، بفعل خيارات وسياسات النظام القائم وتفجر تناقضاته، وليس مجرد قصور تنبّؤي لدى الاقتصاديين.

لازمة 2:

مخطئ القول إنّ الإنهيار عَمَمْ. لم تقع الواقعة على الجميع. إن السكة التي أوصلت معظم شرائح المجتمع اليوم إلى جحيم البؤس والفقر والموت البطيء كانت على الطريق توصل شرائح أخرى إلى جنّات الأرباح ومراكمة الثروات وتزيد من سطوتهم وسلطانهم، ولا تزال.


منذ أنّ قرّرت الأوليغارشية أن تكابر وتدفع المجتمع من على الجرف لينطلق في سقوط حرّ، ومنذ أن قرّرت الفئات المتضرّرة أن تردّ بانتفاضة شعبية واسعة، كان السؤال الأساس في لبنان:

من سيتحمّل كلفة هذا الانهيار؟

انطلقت الأوليغارشية بأجهزتها الرسمية والإعلامية وعبر اقتصادييها وسياسييها تروّج لفكرة مفادها أن الجميع في لبنان استفاد من النموذج الاقتصادي وأن على الجميع أن يضحّي الآن بهدف الخروج من الأزمة. إن القول أن عموم الناس كانت تستفيد من سياسات النموذج القديم كتثبيت سعر الصرف ينطوي على مغالطة بهدف خبيث.

كان سعر الصرف الثابت يضمن أن كلّ 1500 ليرة لبنانية تعادل دولاراً أميركياً. في العمق ضمن ذلك للأوليغارشية أن «تخيّل» بين الليرة والدولار دون أي قلق ومخاطرة. سمح ذلك لدائني الدولة أن يستفيدوا من الفوائد المرتفعة التي كانت الدولة تدفعها على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية ليقوموا بعد ذلك بتحويل هذه الليرات الكثيرة إلى دولارات يمكن إعادة استثمارها في دين الدولة نفسه أو لإخراجها من البلد فيصبحون أغنى بالنسبة لباقي المجتمع.

على سبيل المثال، حصل مروان خير الدين على 15 مليار ليرة كفوائد على سندات الخزينة، حوّل هذا المبلغ لعشرة ملايين دولار على سعر 1500 ليرة للدولار، أخرجها من لبنان، اشترى بها منزلًا في نيويورك. والآن بإمكانه بيع المنزل وإدخال هذه الملايين وقد تجاوزت قيمتها 80 مليار ليرة.

ليس تثبيت سعر الصرف أمرا محايدا اجتماعياً بل كان يخدم مصالح محتكري الاستيراد والمصارف وكبار المودعين. كانت استفادة هؤلاء من النموذج أكثر بما لا يُقارن من «استفادة» الناس في سياحتهم إلى اسطنبول أو أكلهم النوتيلا!


أما اللافت، فهو ما تقوله المؤشرات الاقتصادية اليوم.

تُظهر أرقام الحساب الجاري وهو يقيس صافي استيراد/ تصدير السلع والخدمات تحسّنا جذرياً. لقد انخفض العجز في الحساب الجاري من 14.4 مليار دولار عام 2019 إلى عجز بقيمة 3 مليارات دولار فقط عام 2020. يعني ذلك أن المجتمع في لبنان استطاع خفض استيراده للسلع والخدمات بشكل كبير. استطاع الناس بـ«تضحيتهم» خفض هذا العجز ومنعوا نزف أكثر من 11 مليار دولار إلى خارج البلد. انخفضت فاتورة الاستيراد إلى النصف. انخفض استيراد الخدمات (كالسياحة الخارجية) بشكل هائل. وكذلك انخفضت جذرياً التحويلات إلى الخارج، للطلاب أو العاملات المنزليات. كل هذه أمور يُفترض أن تحدّ من نزف الدولارات إلى الخارج، وبالتالي تساعد ميزان المدفوعات ما يؤدي إلى كبح انهيار سعر الصرف وتصحيح الاقتصاد.

وهذه ليست تضحية بالرفاهية والترف. إنها تعني توقّف طلّاب عن إتمام دراساتهم وانخفاض الاستهلاك، وبالتالي هي مؤشرات على التهاوي الطبقي وازدياد الفقر وتردّي الحال الاجتماعية للناس وصحتهم وأمد أعمارهم.

الناس من جهتها «ضحّت». لكن كيف لاقت الأوليغارشية هذه التضحية؟

الحساب الجاري هو أحد العنصرين المكوّنين لميزان المدفوعات. وبالتالي، عندما نرى انخفاض عجز الحساب الجاري بقيمة 11 مليار دولار، يجب أن نرى انعكاس ذلك على شكل تحسن جذري في ميزان المدفوعات. أي أننا سنتوقع أننا ربما وصلنا إلى وقت بات يدخل دولارات إلى البلد أكثر مما يخرج منه ما يؤدي إلى انفراج اقتصادي.

لكنّ هذا لم يحدث. عكس المتوقّع، سجّل ميزان المدفوعات عجزاً بحوالي 10 مليارات دولار في 10 أشهر من عام 2020، أي تقريباً ضعف عجز ميزان المدفوعات المحقق طوال العام الماضي بأكمله! رغم توفير الناس لخروج 11 مليار دولار، نرى هذه الزيادة في عجز إجمالي ميزان المدفوعات. هذا يعني أن ثمّة نزفاً مستمرّاً للدولارات من ثقب آخر وهو حساب رأس المال، العنصر الثاني المكوّن لميزان المدفوعات.


بعد أكثر من سنة على الأزمة، لا تزال الأوليغارشية تُسقط أي قانون يهدف لضبط حركة رأس المال. لا يزال تهريب الودائع والرساميل مستمرّاً تحت جنح الفوضى وعلى مرأى مصرف لبنان وتعاميمه. لا تزال المصارف تتجاهل «حثّ» المصرف المركزي الخجول لها لزيادة رساميلها. وفي الوقت الذي تمتنع فيه المصارف عن إعطاء الدولارات للناس أو للطلاب في الخارج، لا تزال حسابات المصارف تظهر انخفاض ودائع المقيمين وغير المقيمين في لبنان ما يعني تهريب مليارات إلى الخارج.

والأخطر من ذلك، بعد كل «التضحية» التي قام بها المجتمع ولا يزال، تترقّب الأوليغارشية وتنظر بعين الاستحواذ إلى أملاك الدولة واحتياط الذهب، أي آخر مدّخرات المجتمع، بهدف «إطفاء خسائرها»، أي كي لا تخسر أو «تضحّي» بليرة أو دولار واحد. لا بل كي تستحوذ على كامل مقدرات المجتمع بالضربة القاضية. وهو أمر كان لافتاً أن يحذّر منه حتى تقرير البنك الدولي الأخير الذي يبدو، بمفارقة تاريخية، أنه يتموضع مع صندوق النقد على يسار الأوليغارشية المفرطة في إجرامها!

بكرا الناس بيتعوّدوا

عنوان المرحلة بالنسبة إلى خندق يمتدّ من جمعيّة المصارف إلى لوبيات المجلس النيابي وبينهما سلامة لوائح جديدة من وزير الصحّة موعد مجيء الفيول العراقي باخرة المازوت التي تجاهد منشآت النفط لتفريغها مصير خطة الكهرباء الإنفاق من الاحتياطات خارج أي سياسة متفق عليها مع الحكومة التفاؤل الساذج جزءاً من تطبيع البؤس الذي نعيشه، وجزءاً من التعوّد على الانهيار وكلفته

وقود النظام

عديلي عندو محطّة. رحت، شكّيت، وعبّيت بلا نطرة. بس بعدين استحيت من كلّ هالناس اللي ناطرة إلها ساعات ومهترية اعصابها. لقيت محطّة بالشرقيّة ما عليها نطرة كتير. صرت روح عبّي هونيك. وإذا بدّي شي تنكة منّو بقلّو يشيلها عجنب وأنا بجي بآخدها عَ رواق. أصلاً ما فيك تعرف شو بصير إذا شكّيت دغري عالطرمبة. معقول يتعبّى فيك واحد صار إلو ساعات ناطر