التعيينات الماليّة: عَ السكين يا بطيخ

تقف الحكومة أمام استحقاق تعيين النوّاب الأربعة لحاكم مصرف لبنان ورئيس وأعضاء لجنة الرقابة على المصارف وأعضاء هيئة الأسواق الماليّة ومفوّض الحكومة لدى المصرف المركزي.

في ظلّ الظروف الماليّة والنقديّة التي نعيشها، من الصعب تخيُّل أيّ قرار أو استحقاق حكومي أكثر حساسيّة أو أهميّة من هذه التعيينات بالذات.

فمن المفترض أن تُنتِج تشكيلةً واسعةً من مسؤولي الصفّ الأوّل المفوّضين إدارة الشأن النقدي في البلاد ومراقبة القطاع المالي:

نوّاب الحاكم
هم أعضاء المجلس المركزي لمصرف لبنان، المسؤول عن وضع سياسة المصرف المركزي النقديّة وتطبيقها. وذلك رغم أن صلاحيّات المجلس الواسعة كما يحدّدها قانون النقد والتسليف جرى تهميشها لسنوات طويلة، وبموافقة نوّاب الحاكم، لحساب سطوة ونفوذ حاكم المصرف المركزي. ومع تفرّد رياض سلامة بإدارة الأزمة، اختبر اللبنانيّون أسوأ إدارة لملف الأزمة الماليّة، من خلال الهندسات الماليّة والعمليّات الاستثنائيّة المكلفة، وسائر الطلاسم المصرفيّة التي هدرت المال العام.

لجنة الرقابة على المصارف
هي الجهاز المكلّف بمراقبة تقيّد المصارف بالقواعد المصرفيّة. وهي تحديداً اللجنة التي غاب دورها كليّاً منذ أن بادرت المصارف اللبنانيّة إلى فرض ضوابط على سيولة المودعين، من خلال قواعد حدّدتها المصارف بنفسها دون أيّ غطاء تشريعي أو رقابة رسميّة.

مفوّض الحكومة لدى المصرف المركزي
من المفترض أن يكون هو المدقّق والمراقب لكلّ عمليّات المصرف المركزي الماليّة، ولوضعيّة ميزانيّاته، وهذا هو الدور الذي غاب كليّاً عن ساحة الأحداث طوال الفترة الماضية. فنحن اليوم أمام حكومة تطالب المصرف المركزي بإبلاغها بحقيقة التزاماته بالعملة الصعبة، وطبيعة موجوداته بهذه العملات، في القوت نفسه الذي تتّخذ فيه خطوات مصيريّة مثل التفاوض على ديونها بالعملات الأجنبيّة.


رغم كلّ الحساسيّة التي تتّسم بها هذه التعيينات اليوم، ذهبت الحكومة إلى مقاربة الملف وفق قاعدة المحاصصة، وهو ما سيُؤدّي إلى تداعيات كارثيّة في المرحلة المقبلة.

صحيح أنّ المحاصصة بين أقطاب السلطة مسألة معتادة في لبنان في كلّ التعيينات، لكنّنا نتحدّث عن تعيينات ماليّة في بلادٍ فقدَ فيها المقيمون نصف قدرتهم الشرائيّة في أقلّ من ستّة أشهر جرّاء تهاوي سعر الصرف، وفقدَ فيها المدّخرون القدرة على سحب الودائع من المصارف. ونحن أمام قطاع مصرفي مفلس يتّجه إلى إعادة الهيكلة، ودولة متعثّرة على أعتاب التفاوض على دينها العام. وأخيراً، نحن أمام مشهد نقديّ مُقلق، يُنذر بالوصول إلى مرحلة تسوّل البلاد للعملة الصعبة من أجل استيراد المواد الأساسيّة.

أمام هذا المشهد الأسود، كان من المتوقّع أن يشعر مَن في مواقع القرار ببعض المسؤوليّة قبل انهيار الهيكل على الجميع، وكان من المفترض أن يتمّ إجراء التعيينات وفق قاعدة تشكيل فريق عمل يملك رؤيةً واضحةً للإنقاذ. لكنّ القاعدة التي سادت كانت- كما رأى الجميع- تناتش أقطاب السلطة للمناصب وفق التوزيع الطائفي لهذه المناصب، وبأسماء لا توحي باتّخاذ الكفاءة كمعيار للتعيينات. والنتيجة هي تشكُّل الصف الأوّل من فريق العمل النقدي والمالي في مصرف لبنان من أسماء لا تجمعها خطّة أو نظرة معيّنة للحلول، ولا تملك سوى ولاءات متفرّقة لأصحاب الفضل في تعيينها.

في معمعة التعيينات، كان رئيس مجلس النوّاب كالعادة أكثر من يُتقن فنون المساومة وشدّ الحبال. فبرّي الذي لم يحرّك ساكناً عندما باشر وزير الماليّة المحسوب عليه بتحضير مشروع قانون الكابيتال كونترول، سرعان ما فَرْمَل مسار المشروع عندما أصبح بعهدة مجلس الوزراء، متذرّعاً برفضه «المساس بحقوق المودعين». في ذلك الوقت، كانت الخلافات على التعيينات على أشدّها، فأمسك برّي الجميع من الخاصرة الرخوة. فإمّا أن يتقاسم الكلّ الغنيمة، وإمّا لن يمرّ شيء.

يذكر الجنوبيّون جيّداً عبارة رئيس المجلس النيابي التاريخيّة عَ السكين يا بطيخ، التي يستعملها للإشارة إلى تشدّده في الحصول على حصّته اللائقة من أي تعيينات. لم تحد الدولة اللبنانيّة عن هذه القاعدة، ولو في عزّ الانهيار المالي.

إعادة هيكلة المصارف: على حساب مَن؟

أكثر من 70% من الموجودات المصرفيّة جرى توظيفه في الديون السياديّة المترتّبة على الدولة إعادة هيكلة القطاع مسألةً مفروغاً منها في المرحلة القادمة رفع عبء المودعين عن المصارف استخدام أموال المودعين التي ستتحوّل إلى أسهم في مصارف تبديد كلّ هذا القدر من ودائع اللبنانيين

نظام التلفزيون/ تلفزيون النظام

لا أدري لماذا تذكّرت رياض شرارة، الذي مضى أكثر من ربع قرن على رحيله، فور مشاهدتي أداء مارسيل غانم لتلفزيونات أُسِّس بعضها في الأصل لكي يكون منبراً سياسياً- حزبياً تزدري حريّة الناس من جهة، وتبيّض صفحات المصرفيّين وتؤازر القوى الأمنية، من جهة ثانية