الخطّة الماليّة التي نريد: البحث عن اقتصاد بديل

نجح النظام في جرّنا إلى ملعبه، خصوصًا في المسائل الماليّة والاقتصاديّة الشائكة، كموضوع الخطة الماليّة التي تعمل عليها الحكومة، وبفرض أسئلته على الرأي العام: هل نجح الوفد اللبناني في توحيد أرقامه قبل التوجّه إلى صندوق النقد؟ كيف نجح في «تخفيض حجم الخسائر»؟ كيف ستقوم الدولة بتوزيع هذه الخسائر…

في المقابل، يغيب عن المشهد السؤال الأوّل الذي كان من المفترض أن يسبق كل هذه التساؤلات: 

ماذا يفترض أن تعني هذه الخطّة بالنسبة لنا؟ 

لا معنى لأي بحث تقني في مضامين وأرقام ومقاربات الخطة التي تطرحها الحكومة حاليًّا، قبل الإجابة عن السؤال المتعلّق بماهيّة الخطّة التي نحتاجها اليوم، ونوعيّة الأهداف التي يفترض أن تحقّقها.
 
بكلام أوضح: 

لا تكفي مقارعة المنظومة بشعار كيفيّة التعامل مع الخسائر من دون الدخول بطبيعة النظام الاقتصادي الذي نريده. بل يمكن القول إنّ الاكتفاء بهذا العنوان لا يعني سوى إعطاء السلطة نقطة مجانيّة، وردّنا بأحسن الأحوال إلى العام 2019.


العودة إلى 2019

قبل العام 2019، دفع جميع المقيمين ثمن ازدهار النظام الاقتصادي بأسوأ الأشكال وأكثرها إجحافًا:

  • زيادة الدين العام
  • ارتفاع فاتورة فائدته على الماليّة العامّة 
  • تكبيد دافعي الضرائب كلفة أرباح حلقة ضيّقة من كبار المودعين والمساهمين في المصارف. 

بعد العام 2019، دفعنا مجدداً كلفة انهيار هذا النظام: 

  • إفلاس الدولة وتغييبها عن أدوارها
  • تطيير أموال المودعين 
  • انهيار سعر الصرف وما أنتجه من إفقار جماعي. 

بعد كل ما جرى، لم يعد من الممكن أن يقتصر سؤال الخطّة عن كيفيّة معالجة خسائر الأزمة، أو نوعيّة الفئات التي ستحمل وزر مرحلة التصحيح المالي. فهذه الإشكاليّة، يجب أن تنطلق معالجتها من سؤال أكبر: 

بعد أن سقط اقتصاد ما قبل 2019، أي اقتصاد نريد اليوم؟

الاكتفاء بمقاربة معالجة الخسائر يعني ببساطة الذهاب نحو اقتصاد ما قبل 2019، بنفس آليّاته ومنطقه وأولويّاته، وبنفس الفئات المستفيدة. لا بل يعني الذهاب إلى نفس النموذج غير المستدام، المليء بأسباب السقوط، تمامًا كما حصل عام 2019.


سؤال الاقتصاد الذي نريده

باختصار، يفترض بأي خطة أن تنطلق من فهم الاقتصاد الجديد الذي نريد أن نبنيه، قبل أن نذهب إلى مقاربات معالجة الخسائر، وهذا ما لا تحاول الحكومة الحاليّة القيام به. مع الإشارة إلى أن خطة حكومة دياب، وإن كانت أكثر إنصافًا في مقاربات معالجة الخسائر، لم تجب عن هذا السؤال أيضًا، وكانت النتيجة يومها مجرّد خطّة ماليّة تعيد عقارب الساعة إلى ما قبل العام 2019.

السؤال عن الاقتصاد الذي نريده، يعيد تعريف وجهة البلاد الماليّة والنقديّة بشكل جذري: 

هو سؤال يبدأ بالبحث عن نوعيّة القطاعات الاقتصاديّة التي نستهدف النهوض بها، وشكل البنية التحتيّة التي من المفترض أن تخدم هذه القطاعات. 
هو سؤال ينطلق من تحديد الشرائح الاجتماعيّة التي سوف تخدمها سياسة الدولة الماليّة، وسياسة المصرف المركزي النقديّة، وعلاقة كل ذلك بنوعيّة الدورة الإنتاجيّة التي سيخلقها الاقتصاد الجديد. 
وعلى هذا الأساس، يمكن البحث عن شكل النظام المالي الذي نرغب بالوصول إليه، ونوعيّة المؤسسات الإئتمانيّة التي يمكن أن تقدّم خدمات الادخار والتسليف.

بهذه الإشكاليّات، تبني الدولة خطّتها التي لا تستهدف إلا إنتاج اقتصاد ما قبل 2019، قبل الانطلاق نحو نظام مختلف. وبهذه الإشكاليّات، تصبح عمليّة التعامل مع الخسائر عمليّة هادفة وكفُؤَة وعادلة، وتصبح المحاسبة باباً للانتقال نحو مرحلة مختلفة بعناوينها ونتائجها. 

مع أهميّة الدخول في نقاش كيفيّة التعامل مع الخسائر، من الخطر الانجرار إلى هذا النقاش قبل البحث في نوعيّة الاقتصاد الذي ستنتجه خطة الحكومة.

كيف تُجمَع الثروة في يد القلّة؟

أكثر ممّا يملكه 80% من سائر المقيمين توازي وحدها 58% من الناتج المحلّيمن 42% سنة 2019 إلى نحو 82% اليوم 0.86% من الحسابات المصرفيّة وحدها على أكثر من 51% من أموال المودعين تربّح الحلقة النافذة سياسيًّا من الصفقات العموميّة عمليّات تهريب أموال المحظيين إلى الخارج تحييد ثرواتها عن الانهيار المالي المحلّي

الفقر كمشهد: تجميل- تفريغ- تطبيع

 نُحبّ الفقر في مجتمعناالمشاهد حَيّزاً على مواقع التواصل الاجتماعي  يعيش تحت الجسر وبين الكتب  يقرأ على حافة المستوعب  إباحيّة الفقر  الفقر كمشهد  ليش في فقر؟ لأن في غنى