العسكر ليس الحلّ

منذ بداية الثورة في 17 تشرين، ظهر عدد كبير من المتظاهرين الذين ينادون بقيام القوّات المسلّحة، وتحديداً الجيش، باستلام زمام الأمور. وعلا في الشارع صوت صباح ينادي بتعمير الدار والعسكر الواقف على سياجه. لكن العسكر اليوم ليس واقفاً على السياج، لا سياج الدار ولا سياج الساحات، بل هو يتدخل في الشارع لقمع هذه الثورة. فإن الرهان اليوم على تدخل الجيش أو القوى الأمنية بشكل إيجابي قد سقط. وإن خطورة رهان كهذا أو المطالبة بحكم عسكري تكمن في تركيبة هذه الأجهزة ودورها التاريخي والحالي في تأسيس النظام اللبناني ودعمه.

  • إنّ أجهزة العهد العسكرية والأمنية ليست حيادية. فهي تلعب دوراً كبيراً في دعم النظام اللبناني الفاسد، لا بل إنّها حتماً امتداد للنظام الذي يطالب الشارع بإسقاطه.
  • لطالما استخدمت السلطات الأمنية والعسكرية اللبنانية القوّة، وقمعت الكثير من التظاهرات والحركات المطلبية في لبنان. وما كادت تمرّ إلا بضعة أيام على ملاحقتها ورفعها السلاح في وجه المتظاهرين العزّل في شوارع بيروت ليل الجمعة في 18 تشرين، حتى قامت هذه الأجهزة ذاتها اليوم بمنع تسكير الطرقات في الكثير من المناطق اللبنانية، وعمدت إلى فتح الطرقات بالقوة. لذلك، لا يمكن عزل دعم المتظاهرين ليل الاثنين عن تاريخ القمع لهذه السلطات، ولا يجوز اعتباره حمايةً للثورة ولمطالبها.
  • محاولة خلق خلايا مناهضة للثورة من داخل الجيش والانظمة الأمنية الأخرى أمر مهم. لكن من المهم أيضاً في ظل الوضع الراهن الاعتراف بأن حاجز الخوف الذي قد نراهن على كسره لم ينكسر بعد عند عناصر قوى الأمن والجيش، وبالتالي فإنّها سوف تنفّذ الأوامر أيّاً تكن. صلة الوصل الوثيقة بين الطبقة الحاكمة وحكام الأجهزة الأمنية كافةً لم، وربما لن، تنقطع.
  • لم يشهد تاريخ لبنان الحديث أي محاولة ناجحة لقيام منظمة ضباط أحرار على مثال مصر والعراق في خمسينات القرن الماضي. ويجدر التذكير طبعاً في حال نسي البعض أن حكاماً متتالين، بمن فيهم رئيس الجمهورية الحالي، هم أركان سابقون في هذه المؤسسات.
  • تدلّ تجربة الثورة في مصر وتونس على أفضلية نجاح الثورة في حال وقوف القوى الأمنية والجيش على الحياد. وقد أسهمت سلميّة ولاعنفية عشرات آلاف المتظاهرين في تونس في رفض الجيش استعمال القوّة ضدّ المواطنين.
  • النظام الأمني اللبناني مؤسسة متينة ومنيعة تمكنت من الصمود والاستمرار في خضمّ اعتصامات وتغيرات كثيرة على الساحة اللبنانية. فرغم تدعيمها لعهود متتالية في النظام اللبناني، استطاعت إعادة خلق صورتها ومكانتها كمؤسسة حيادية في أكثر من مرة. ولذلك، فإنّها قادرة على المماطلة وتأخير أي مطالبة بتغيير جذري لهذا النظام.

العسكر ليس الحل.

الحل الوحيد هو بقاؤنا في الشارع في بيروت وطرابلس وصور والنبطية وعاليه وحلبا والذوق وفرن الشباك وكل مدن لبنان وقراه الثائرة. ولذلك، فإنّ نجاح ثورتنا يعتمد على إصرارنا بأنّ كلّن يعني كلّن، بما في ذلك قيادة القوّات المسلّحة الموالية للعهد. ليس من الممكن أن تستمر القوات المسلحة بالتأرجح بين قمع المتظاهرين واستيعابهم. وقد أثبت الجيش أنه قد اتّخذ قراره. وعلى الشارع أن يثبُت الآن على قراره بالعبور من نظام سياسي طائفي فاسد إلى دولة مدنية علمانية وليس إلى دكتاتورية أو حكم عسكري. فيا عسكر، عسكر على مين؟