الليرة بخير والأمونيوم أيضاً

بعد حالة الموت البطيء التي استمرّت لثلاثة عقود، حلّ الموت المكتمل للمنظومة هشّاً وسريعاً. فقد اختارت السلطة تخزين أطنانٍ من الأمونيوم بين سكانها غير آبهة لمخاطرها، مثلما اختارت تلخيص الاقتصاد بمخطّط احتيال قائم على استقطاب الدولار وتوظيفه في تثبيت سعر الصرف وفي الدين العام بفوائد خيالية. وكلما كان الدَّيْن يتفاقم والفوائد ترتفع، كانت أرباحهم تتزايد وإماراتهم تتوسّع. ولم نكن نسمع منهم إلا التطمينات بأنّ الليرة بخير.

لم يجهل أحد هشاشة هذه التركيبة الاقتصادية ومخاطر انهيارها. لم تكن لغزاً. تماماً مثل الأمونيوم الذي كانوا يعرفون أنّه مادّة شديدة الاشتعال. لكنّ مرتزقة هذه المنظومة التي أخفت شحنة الأمونيوم، نبذت كلّ كلام عن انهيار الليرة والقطاع المصرفي وتبخُّر الودائع، نبذته كمجرّد كلام فارغ، بعيد عن الواقع. لا بل وصفت كل من حاول التحذير من الانهيار بأنه موتور وحاقد. فمن الصعب أن تنهار الليرة، ومن المستحيل أن تتبخر الودائع. وحتى لو حصل ذلك، هناك يد ستمتدّ لا محالة لمساعدة هذه المنظومة. هكذا طمأنت المنظومة نفسها. فلبنان الجوهرة، أهمّ من أن يفلس وأن يُترك وحيداً.

لم تستمرّ هذه البنية على مدى ثلاثة عقود بفضل إدارة حكيمة، أو حسابات دقيقة، بل قامت على بثّ ثقة زائفة وعمليات إنعاش. بكلام أخر، رياض سلامة ليس وارن بافت، ولم يأتِنا مستنداً إلى خبرة استثمارية. لكن، كلما كانت الأزمات الاقتصادية تشتدّ على مرّ هذه العقود، كانت السلطة تُسكتنا بقرض مدعوم من هنا وإعاشات من هناك. هكذا هي سلطتنا، متمرّسة بتموضعها هذا، تمارس سرقة موصوفة وفادحة، وتعيش برفاهية عدم التفكير بانهيار حتمي، وتستمدّ قوّتها من خلال إنزال القتل البطيء بنا على نغمات عبارة الليرة بخير.

حصل ما رفضت هذه السلطة التفكير به، رغم أنّه كان متوقّعاً. انهارت الليرة، وتبخّرت الودائع، وصارت نداءات الإغاثة (إقرأ: الشحادة) بلا جدوى. وترافق ذلك مع انهيار القدرة الشرائية، وانتشار عمليات الصرف الجماعي، وتفاقم الفقر، وتبخّر التعويضات ومعها أحلام كثيرة. أتت لحظة حسم هذا الموت البطيء، ووجدنا أنفسنا مقتولين من دون قاتل. لم ينوجد من يُحاسب على واحدة من أكبر عمليات الاحتيال التي شهدها التاريخ الحديث. لا بل قيل لنا إنّنا بالتكاتف والوحدة الوطنية والمقاومة والصمود، سننتصر على هذه المحنة. وبموازاة هذه الأقوال الخالدة، عسكرت السلطة مصارفها، وشوارعها، وأفرادها.

الليرة بخير، بقوا يقولون حتّى اللحظات الأخيرة ما قبل الانفجار. والأمونيوم بخير أيضاً ولن ينفجر، كانوا يحدّثون أنفسهم. فانفجرت مدينتنا، تطاير سكانها وتهشّمت بيوتها. ومَن كان محظوظاً ونجا، بات يعيش في بيوت مشرّعة أمام غازات سامّة ووباء يتنقّل بيننا غير آبه بحجم المأساة والدمار. مرّة أخرى، وُجد القتيلُ وافتُقد القاتل. استيقظت مدينتنا المدمّرة على أنغام سلطة تعدنا بالذهاب بعيداً بالتحقيقات وبلجان جديدة، وتتنصّل من المسؤولية عبر مراسلات صفراء مرّ عليها الزمن، أرسِلت إلى القضاء وعادت منه، وبقي الأمونيوم مطرحه.

هذا النظام يحوّل كل جريمة إلى فرصة. فانهيار الاقتصاد على رؤوسنا صار فرصة لنبني اقتصاداً «منتجاً»، وقتلُنا بالأمونيوم هو فرصة لإعادة بناء عاصمتنا المترهّلة، «أجمل ممّا كانت». هكذا هو هذا النظام. ينتهكنا أفراداً وشعباً وأرضاً وبحراً، ثم يحوّل كل جريمة يرتكبها بحقنا إلى كارثة طبيعية تستدعي الغزل بـ«مقاومتنا وصمودنا».

لقد ولّدت نهايةُ الموت البطيء غضباً أنتج ثورةً ومطالبَ محقّة وبنّاءة، من إسقاط الحكومة إلى انتخابات مبكرة إلى عدالة اجتماعية وحقوق وحريات. أمّا الموت بالأمونيوم، فقد أيقظ في صدر كلٍّ منّا أمونيوم يعشعش داخلنا منذ عقود. فكيف نطالب بالمحاسبة، نحن الذين لم نشهد على محاسبة أحد يوماً؟ فليكن انتقاماً، وعندها سنسمّيه كارثةً طبيعية.