تعليق عمّال
سمير سكيني

انتخاباتٌ بِلا عمّال

عمّالٌ بِلا انتخابات

1 أيار 2022

السيادة، الفساد، القضاء، النفط، السلاح، البداية، النهاية، المتن، الهامش، التغيير، التعتير، المسؤولية، الحياد، الحياة، الاستقرار، الأمن، السرقة، الشفافية.

شعاراتٌ في الشوارع.

فراغٌ على مدّ العَين والنظر.

مصطلحاتٌ فارغة، تدور على المستوى الفوقي من العلاقات السياسية، دون أي أساس ماديّ لها. تُخاطب العواطف، تُغيّب العقل. تُعزّز الوهم، تمحو الواقع.

حتّى اليوم، لم تُرفَع أي شعارات فعليّة للعمل السياسي في البلد- لدى كافة أحزاب السلطة ومعظم مجموعات المعارضة. لم تُرفَع أي شعارات تُخاطب الواقع المعيش للمُقيمين. لا بل، تسعى الشعارات المرفوعة إلى تعليب هواجس المُقتَرعين، وبالتالي تعليب المُقترعين أنفسهم. تعليبهم بما يقدّم للسلطة الذرائع الكافية لفرض نفسها كـ«منقذ».

بين هذه التعليبات مثلاً، ولعلّها التعليبة الأبرز لهذه الدورة الانتخابية، التعاطي مع المناطق أو الطوائف أو المواطنين ككيانات مسلوبة السيادة، أو كيانات هاجسها الوحيد المطالبة بالسيادة. أو كيانات تُريد الانتهاء من الفساد، تُريد تعزيز الشفافية، تُريد بناء الدولة. هكذا، بالفضاء.


حصر الخطاب الانتخابي بهذه الشعارات يُقابله نفي شعارات أخرى، إذ تُسَطّح الشعارات المطروحة التفاوتات الطبقية في المجتمع، وكأنّنا جميعنا ننتمي للطبقة نفسها، وموقعنا نفسه نسبةً لإشكاليّة العدالة الاجتماعية، مثلاً، ولكن، صادَف أنّنا نمتلك جميعاً، في أولويّة مشاكلنا، مشكلة السيادة، أو مشكلة القضاء المستقلّ.

وهذا ما هو تصويرٌ مقلوب للواقع. قلبٌ يحمل ضمنيّاً نيّة نفي واقع أنّ التفاوت الطبقي اليوم في أعلى درجاته تاريخيّاً، وواقع أنّ نسبة الفقر في لبنان تخطّت 80٪، وواقع إفلاس صناديق الضمان الاجتماعي وتبخّر تعويضات نهاية الخدمة، وواقع هشاشة ظروف العمل وتزايد الطرد التعسّفي…

كل هذه إشكاليّات يعيشها المواطن يوميّاً، أفلا تستأهل أن تحظى ولو بيافطةٍ انتخابيّةٍ واحدة؟

كلا. ذلك أنّ السلطة وأحزابها يُناسبها أن تُعلّب هموم المواطنين بدءاً من العناوين التي لا تحمل أي دلالة على وجود استغلال في المجتمع، استغلال مسؤولة عنه هذه السلطة نفسها، وصولاً إلى أن تُخفي كل شعار ممكن أن يحمل دلالة على اللامساواة الموزّعة بشكلٍ هرمي على المُقيمين، على أن تكون السلطة في قمّة هذا الهرم.

يحدث أن يعتقد المرء، عند سلوك الأوتوستراد من الشمال إلى الجنوب، ألّا عمّال في لبنان، لا فئات مهمَّشة، لا ميادين للاستغلال. هنا مجرّد آلية حكم فاسدة وبعض الإشكاليّات المتعلّقة بالحريّة والمسؤولية والأخلاق، ستحلّها لنا الأحزاب عينها المسؤولة عن الانهيار.

حتّى أنّ الأحزاب اليساريّة فاتها، بالمناسبة، أنّه يُفترض بمناسبةٍ كعيد العمّال، إن جاءت قبل أسبوعَين من الانتخابات، أن تشكّل بذاتها استفتاءً شعبيّاً مُسبقاً حول نتائج الانتخابات.


في السابق، كانت هذه المناسبات هي هي الانتخابات.

لكنّ قراءة واقع اليوم تحدث بالاتّجاهَين. ليست سِمات «العمل» أو علاقات الاستغلال هي التي حُيّدَت عن النقاش الانتخابي فحسب، بل النقاش الانتخابي نفسه حُذِفَ من داخل مساحات العمل وميادين الاستغلال. جرى ذلك بالتحديد عبر السطو على العمل النقابي، منذ اتّفاق الطائف وحتّى اليوم.

فعبر السنين، اعتاد العمّال في لبنان، أي معظم المُقيمين فيه، على غياب أي ممارسة ديمقراطيّة داخل مساحات العمل، كما اعتادوا على غياب أي صلة عضوية بينهم وبين من يمثّلهم أمام الإدارة، هذا إن وُجد من يمثّلهم أمام الإدارة.

بسحب هذا المنطق إلى أقصاه، وإن عطفنا عليه غياب الانتخابات الطلّابية من المؤسسات التعليميّة العامة، يمكن فهم غياب أي صلة عضوية بين المُقترعين والنوّاب المُقترعين. يمكن من هنا فهم أنّ الممارسة الانتخابية لا تتمّ في لبنان وفق قواعد التمثيل الصريح أو وفق برامج العمل أو مسؤولية اختيار الحاكم للسنوات الأربعة المقبلة. وذلك بالأخصّ، إن عطفنا على ذلك، إشكاليّة شبكة العلاقات الزبائنية.

لا يمكن أن يكون الفعل الديمقراطي محصوراً بهذا اليوم فحسب، ومُغيّباً عن باقي الأيّام الـ1,460 التي تفصل بين دورتَين انتخابيّتَين. هذه ليست ديمقراطيّة. هذا تشريع لديكتاتوريّات الحياة اليوميّة تحت عنوان ديمقراطيّ المظهر.

لا يمكن أن يخوض المُقيمون معركةً لا يتمرّنون عليها في سائر الأيّام، ونتوقّع منهم في النهاية أن ينتصروا للخيار الأقرب لمصلحتهم الطبقيّة. أساساً، غُيّب مفهوم «المصلحة الطبقية» عن يوميّاتهم، تماماً كما غُيّب عن الشعارات الانتخابية، واستُبدلَ بمصلحة الطائفة، أو للدقّة، مصلحة قيادة الطائفة.

أو للدقّة، حُصِرَ مفهوم «المصلحة الطبقية» بما يُناسب مصلحة النُّخَب، على حساب مصلحة السواد الأعظم من المجتمع، عمّالاً وعاطلين عن العمل وفئاتٍ مهمّشة، حتّى صار البازار الانتخابي مدّةً زمنيّة نغرق خلالها بشعاراتٍ تزيد من اغترابنا عن السياسة، وتزيد من إقصاء همومنا اليوميّة عن معركة الصراع على السلطة.