بازار الضحايا

ينتشر في شتى أنحاء العالم خطابٌ سلطويٌّ وشعبويّ وذكوريّ يستملك سرديات وتعابير ادّعاء وضعيّة الضحية. فعلى سبيل المثال، يخاطب الرئيس الأميركي دونالد ترامب محبّيه من الأميركيّين البيض بالشعار الشهير «لنجعل أميركا عظيمة من جديد». يصوّر الشعار أميركا وكأنّها ضحيّة مؤامرة حرمَتْها العظمة، وكأنّ ترامب هو مخلّص أميركا الذي سيسترجع هذه العظمة البائدة. هناك العديد من الأمثلة المشابهة من تركيا إلى البرازيل، تبيّن كيفيّة ادّعاء القادة السلطويّين أنّ بلادهم وأنصارهم ضحايا، وأنّهم المنقِذون. حتّى أغنى أغنياء العالم يدّعون أنّهم ضحايا، وما علينا إلا الاستماع للمؤتمر الصحفي لكارلوس غصن الذي عقده ببيروت أخيراً حتى ننتبه لمدى ادّعائه دور الضحية لمؤامرة ظالمة.

في لبنان، بات الخطاب الطائفي خطاب الضحيّة بامتياز. فلكلّ طائفة قصّةٌ من المفترض أن تدمي القلوب، فتمتدّ من تاريخ قديم وتُترجَم إلى مخاوف من مستقبل مقيت. يتذمّر الشيعة مثلاً من رُهاب وإرهاب يطولهم، وطائفيةٍ تُشَيطنهم، ودولة لا تعطيهم التمثيل المحقّ. ويرى السنّة أنّهم الخاسرون في المنطقة، وأنّهم ضحايا اللعبة الجيوسياسية والسلاح، وأنّ هدف غيرهم إذلالهم. وللطوائف المسيحية أيضاً سرديّات ومخاوف الأقلية المستهدفة في لبنان وعلى امتداد المشرق. وكذلك الأمر بالنسبة للدروز. ولكلٍّ من هذه السرديّات فعلاً أساسٌ في الواقع.

يعرف اللبنانيّون كلّ تلك السرديّات. فهي التي غالبًا ما تُهيمن على الأحاديث حول مائدة الطعام أو عبر ما يُنشَر من خلال مجموعات الواتس آب. لكن رغم انتشارها على الصعيد الشعبي، تبقى أساساً خطاب السلطة والنظام الطائفيّ بإعلامه ومؤسّساته ومفرداته. فكلّ زعيم يعزّز هذه الأفكار ويخوض حملاته الانتخابية على أساسها. فحتى حرائق الغابات قيل إنّها تستهدف المسيحيّين وإنّهم ضحاياها الوحيدون. تتأجّج كوابيس وضعيّة الضحية عند البورجوازية والطبقات المتوسّطة والميسورة لدى رؤيتهم جموع الفقراء من الطائفة الأخرى يعبّرون عن غضبهم في الحيّز العام. فتسرح المخيّلة الطائفية بفضاء الخوف من الآخر واعتبار النفس ضحية.


بالإضافة إلى الطوائف بشكل عام، يدّعي الزعماء بصفتهم الشخصية أنّهم ضحايا، ويكرّر بعض أنصارهم أقوالاً مثل «هذا الزعيم حرام جرّب يعمل إصلاح بس ما خلّوه» أو «حرام الزعيم الآخر ما خصّو وعم يتحمّل مسبّات» أو حتى «حرام الزعماء بطّل فيهم ياكلوا بالمطاعم». تريد قوى الأمن، هي الأخرى، أن يراها الناس كضحية خصوصًا عند ممارستها العنف ضد المتظاهرين. بدورها، أطلّت الحكومة الجديدة المشكّلة من الطبقة السياسية نفسها وكأنّها تتّهم الشعب بالظلامة والتعسّف إن لم يعطِها فرصة… فالحكومة أيضاً «حرام».

أمّا الضحايا الحقيقيّون، فهم اللبنانيون، لا بصفتهم الطائفية بل كمواطنين سرقتهم سلطتهم وسلبتهم من صحّتهم وأموالهم ومن ثروات دولتهم ومن أبنائهم وبناتهم المهاجرين ومن أبسط مرتكزات العيش الكريم. وهذا ما رأيناه وسمعناه في أوائل الثورة حين تبيّن أن الوجع الخاص هو وجع عامّ، وأنّ مشاكل وهموم الناس واحدة من طرابلس إلى النبطية. لكنّ تبنّي صفة الضحية في هذا السياق ممزوج بالغضب.

فما يفرّق الضحايا الفعليّين من الضحايا المزيَّفين كالزعماء والطوائف هو أنّ الضحية الفعلية لا تريد أن تكون مجرّد ضحية، بل هي مستعدّة فعلاً للتضحية للتخلّص من وضعيتها. على الصعيد الاجتماعي والسياسي، لا تقوم الضحية الفعلية بشيطنة الآخر للتمسّك والتشبّث بصفة الضحية، بل تحلم بالوقت المناسب لإدراك قوّتها واستعادة كرامتها وممارسة غضبها. وهي بالأساس لا تريد أن تفقد نفسها من خلال التغلغل والتمعّن بهذه الصفة.

تكمن قوّة الثورة باستهداف خطاب الضحية المزيَّف. فالطوائف اللبنانية ليست بضحية، ولا الزعماء ضحايا، بل هم يستخدمون مصطلحات ادّعاء صفة المساكين لغايات السيطرة والهيمنة. حتى بيروت ليست ضحية. فمقولات من نوع «بيروت عم تبكي» تُستخدَم وكأنّ المدينة ضحية الشعب. الهدف من شخصنة بيروت هنا هو تحويلها ضحيةً لا حول لها ولا قوّة. أما الواقع، فهو العكس، لأنّ بيروت امتداد وانعكاس للّبنانيين المنتفضين، وهم الضحايا الفعليّون الرافضون للاستسلام لصفة الضحية.