بانتظار الجولة الثانية

مع استقالة الحكومة، تُطوى صفحةٌ من العصيان لتُفتَح أخرى. لكن، قبل الانتقال إلى الجولة المقبلة، لا بدّ من الاحتفال بالانتصارات التي حقّقها الشارع حتّى الآن، وعلى رأسها ثلاثة:

الأوّل،
سقوط الاتفاق الحريري- الباسيلي الذي أمّن الغطاء الميثاقيّ للعهد، والذي قام على تفاهماتٍ اقتصاديّة نظّمت ونشّطت آليات النهب المنظّم. وهو سقوطٌ يمهّد لإعادة النظر بالسياسات الاقتصادية التي اعتُمدت في العقود الثلاثة الأخيرة.

الثاني،
سقوط منطق المؤامرة في وجه العفويّة. فقد بدا واضحاً اليوم أنّ من ألصق تهمة التآمر بالمتظاهرين هو من تآمر عليهم وأرسل زعران الحقد ليعتدوا ويحرقوا ويكسروا ويهدّدوا بما هدّد به «سيّدهم» من حروب أهلية. تلك الحروب المفترضة التي بدت هزيلة وبعيدة من فوق جسر الرينغ.

الثالث،
بداية سقوط ما سمّي بحلف الأقليات، أي ذاك الحلف الذي أخذ البلاد رهينةً لتزكية الصراعات الطائفية في المنطقة. فقد تلقّى أحد الضلعين الرئيسيين لهذا الحلف، أي صهر العهد جبران باسيل، سيلاً من الشتائم وأصناف الغضب فاق بأسبوع واحد أضعاف ما تلقّاه مجمل الطاقم السياسي منذ اتفاق الطائف حتّى الآن. وما استقالة الحريري بهذا الشكل، وخروجه من تفاهمه مع التيّار، إلا إشارة بأنّه قد فهم، قبل «السيّد» الأعلى، أنّ التيّار القوي لم يعد قوياً، وأنّ مَن يبحث عن «مسيحيّي الشرق» قد يجدهم على جسر جل الديب فيما حلف الأقليات تتناثر بقاياه على «جسر اللوزيّة».


هذه الانتصارات حقّقها الشارع وحده، من حلبا إلى كفررمان، مروراً بطرابلس والزوق وجل الديب. ويقف في مقدّمة صانعي هذه الانتصارات كلٌّ من:

المتظاهرين الذين ساروا حفاة القلوب من كفررمان إلى النبطية، تلك المدينة التي لم تكسر حاجز الخوف وحسب، بل كسرت معه طوق الكآبة القسريّة.

المتظاهرين الذين تحدّوا مَن نهب رمال بحر صُور، وسيقوا زوراً إلى التحقيق لمجرّد تجرّؤهم على النزول إلى الشارع.

المتظاهرين الذين نزلوا لينتقموا ممّن شوّه مدينتهم طرابلس، وما زالوا يدافعون عن مشهد «عروس الثورة» في ساحة النور في وجه من يحاول مصادرته.

المتظاهرين الذين تمكّنوا من تحويل جسر الرينغ إلى عنوان لصمود العصيان.

المتظاهرين الذين كسّروا اللغة وكتبوا على جدران المدينة شعارات تسخر من كلّ أشكال السلطة.

المتظاهرين الذين حاولوا الدفاع عن آخر خيمة في الساحة كمن يدافع عن حقّه بآخر بقعةٍ للعيش في هذا البلد.

المتظاهرين الذين ما أن انتهت هجمة زعران ما سمّي زوراً «الثنائية الشيعية»، حتّى أعادوا إعمار مخيّم الساحة. وحين عادت خيمهم لترتفع إلى السماء، عادت بيروت لتفتح قلبها وذراعيها.


الحكومة طارت. العهد بات مقصوص الجناحَيْن. لكنّ الطريق لا تزال طويلة لاستعادة مُدُننا حتّى تصبح شبيهةً بنا، نحن الذين وقفنا فوق الجسر ونظرنا إلى تحت، فرأينا للمرّة الأولى ما شعرنا أنّها بلادٌ لنا.