بتُّ أحلم بسجنٍ هائل

يجعل فيروس كورونا مِن كلّ شخصٍ ألمحُه (أو أتخيَّلُه فحسب) عدوّاً خبيثاً يُضمِر لي شرّاً عظيماً ومن دون أن يعي ذلك. والشرّ هذا ينزّ من بدنه ممتزجاً بإفرازاته الكريهة، إنه يشعّ من ماديّته المقيتة. ولا يخطر في بالي ولو للحظة أنّني قد أكون هذا العدوّ لغيري.

كنت متأكّداً من أنّني لن أصاب بالهلع، وإذ بي تحوّلتُ محضَ هلعٍ.

ثمة شيءٌ ينمو في داخلي لطالما حدستُ بوجوده، شيءٌ قد ينفجر في أي لحظة: الوسواس القهري (OCD). يَعلَمُ عقلي أنّ العدوَّ هو الهلع وليس الفيروس، غير أن عقلي معطّل. هو لا يزال يُفكِّر، لكن منعزلاً في عالمه الخاص الذي لا يمتّ بصلةٍ إلى العالم الذي أحيا فيه. أراه هناك، هو وأفكاره، في الأعالي البعيدة التي لا تطالها يدِي.

لا أعلم إن كان سبب هلعي إمكان إصابتي بالفيروس أم احتمال انفجار الوسواس القهري في داخلي. ما أعلمه هو أنّ الهلع هذا أخذ يشحذ نزعاتي السلطويّة. لا مشكلة لديّ في البقاء محجوزاً في منزلي لمدّة طويلاً: فالمنزل هو حيث أعمل، وهو مكان نادراً ما أغادره نظراً لقلّة أصدقائي وعدم استساغتي كثيراً للاختلاط مع الناس. ومع ارتفاع منسوب السلطويّة لديّ، بِتُّ أحلم بأنْ يُعمَّم نمطُ حياتي على الجميع: بِتُّ أحلم بسجن هائل على امتداد لبنان كلّه، بل حتى على امتداد الكرة الأرضية.

أشعر بأنّني سأتحوّل إلى عنصريٍّ تجاه الجميع من دون تفرقة ولا تمييز.
سوف يصبح كلّ من يقع عليه بصري بمثابة جرثومة ينبغي عزلها أو حتى القضاء عليها. لكنني أكذب على نفسي حين أكتب: «من دون تفرقة ولا تمييز». فقد أضحيتُ، مِن الآن، أمارس تمييزاً، وإن ذهنياً فحسب، تجاه مَن تبدو عليهم علامات الفقر. ذهبت البارحة لشراء بعض الحاجيات، وعندما رأيت عامل بناء ثم متسوِّلاً، وجدْتُني أفكّر تلقائياً بالوسخ، وبأنّ عمل الأوّل وحياة الثاني يُعرّضانهما أكثر من سواهما (أي غير الفقراء) لالتقاط الفيروس. حاولت حينئذٍ مناجاة عقلي ليخلِّصني من وباء التمييز الطبقي، فبالكاد استجاب.

أجد بعضاً من العزاء في أنّ ما أعيشه هو كارثة عالمية،
وفي أنّ بعض التقديرات تقول إنّ ما بين أربعين وسبعين في المئة من مجمل البالغين في العالم سيصابون بالفيروس. سألتقطه إذاً على الأرجح، ولن يجدي الاحتياطُ والحذر كثيراً، ولن تكون إصابتي حالة استثنائية البتّة، وإذا ما احتجتُ حينها إلى دخول مستشفى، لن يكون قد تبقى في أيّ منها متّسعٌ من المكان.

وبما أنّ معدّل الوفيات من مجمل المصابين وفق آخر التقديرات هو حوالي ثلاثة ونصف في المئة، فمن المُحتمَل أنّ بعضاً مِمّن أحبّهم- زوجتي، أهلي، أصدقائي- سيموتون. أجد بعضاً من العزاء في كل هذا لأنّ شعوري بعجزٍ مطلق يُريحني لبرهة من وساوسي المُرهِقة والآخِذة في التعاظم، إذ أشعر بأنّ كلّ ما يمكن أن أفعله أو ألّا أفعله لا فائدة كبيرة من فعله أو عدم فعله.

لكي أهزم الهلع، أحتاج إلى دِينٍ ذي إله جبّار وطقوس واضحة.
لكن لا دِين لي. أمّا ما يعتنقه كثيرون كأنّه دين من دون أن يفقهوا شيئاً منه، العلم، فأرى نصائحه لي هزيلةً: اُحْجُزْ نفسك، اِغْسِلْ يديك، عَقِّمّ كلّ شيء، اِبْتَعِدْ عن البشر، أي أَوْصِدْ بابَك وانْتَظِر، علّ الأمور تعود إلى سابق عهدها. هي، إذاً، نصائح دفاعية فحسب، لا تمنحني سوى سيطرة محدودة جداً على تفشّي الفيروس. غير أنّ ما أريده هو سيطرة مطلقة عليه، أمرٌ أدرك استحالته، ذاك أنّ الفيروس، كالحياة، فوضويّ وعشوائي. هو لا يُرى، هو في كلّ مكان، وقد لا يكون هناك من سبيل لاحتواء تفشّيه.