نقد أبويّة وذكورية
سمير سكيني

بحثاً عن مُبرِّر لقتل امرأة

1 نيسان 2022

استيقظتُ صباح اليوم وقرّرتُ، هكذا وبدون سبب، أن أبحث عن مبرّرٍ لقتل امرأة.
قلتُ لنفسي، إن وجدتُ المبرّر، سأقتل امرأة. وإن لم أجد، فسأقتل… رجلاً؟ لا، مهلاً، لن أقتل رجلاً.
عفواً. فهو في نهاية المطاف رجل.

من هذه المُقاربة التبسيطية، يمكن قَدح جمجمة المجرم حسين فيّاض وأمثاله، والمنطق الذكوري المُنتَصب داخلها وخلفها، والبحث في «دوافعه» لارتكاب جريمة أنصار، وطرح التالي:

  • هل كان لحسين فياض أن يخطف 4 رجال؟
  • وإن فعل، هل كان له أن يُرديهم جميعهم قتلى بالرصاص الحَي؟
  • وإن فعل، هل كانت القاضية لتخلي سبيله في المرحلة الأولى من التحقيقات؟
  • وإن فعلت، هل كان ليتحمّل تبِعات الاعتراف بجريمته؟
  • وإن فعل، هل كان للـ«مجتمع» أن يبحث عن تبريرات بعيدة عن الجريمة المباشرة؟

أكاد أجزم- بل أنّني أجزم- أنّ الجواب على كل تلك الأسئلة هو «لا»، وبخطٍّ سميك.

ما الذي تغيّر إذاً؟
على المستوى الأوّل، تغيّر جندر الضحيّة.
أمّا أبعد من ذلك، فقد تغيّر المنطق الذي يتعاطى مع الجريمة (أو فعل العنف عموماً) بما يُناسب هذا التغيّر في جندر الضحية.

شعرتُ أنّ في الأمر تعقيداً، وقرّرتُ تجاوز كل هذه الأفكار وقراءة جريدة الصباح لاستكمال بحثي عن مبرّرٍ لقتل امرأة.

هناك، في الجريدة، في عمودٍ جانبيّ، قرأتُ عن صدور حكمٍ بحقّ رجلٍ قتل امرأة تُدعى رولا يعقوب. تفاجأتُ، أوّلاً، حين عرفتُ أنّها كانت زوجته، وثانياً، حين اكتشفتُ أنّ الحكم قد صدر بعد 9 أعوام من تاريخ الجريمة، وثالثاً، حين أدركتُ أنّ الحكم هو السجن لـ5 أعوام فقط.

لم أجد مبرّراً لقتل امرأة هنا، لكن وجدتُ نوعاً من اللامُبالاة، أو للدقّة: اللا-عائِق. أو الغفران المُبَطَّن.


ما الهدف من القضاء؟ سألتُ نفسي. هل القضاء محطّة عقابيّة تأتي لتقرص يد المُرتكب، بعد أن يرتكب جريمته؟ أم هو خطوطٌ مرسومة سلفاً لكل من حدّثتْه نفسه أن يرتكب جرماً، فيخشى من العقاب، فلا يعود ويرتكب جرمه؟

بمعنى أبسط، لو كان مُحتّماً أنّ حسين فياض وأمثاله سيدخلون سجناً مؤبّداً بعد الجريمة، هل كانوا ليرتكبوا الجريمة؟
هل كانوا ليرتكبوها لو أنّ القاتل، في لحظة قتل الضحيّة، يَعي أنّه يوَقّع أيضاً على وثيقة تُجيز قتله هو الآخر؟
بمعنى أكثر واقعيّةً: من لا يجد حرجاً في المكوث 5 أعوام فقط خلف القضبان، لن يجد حرجاً في قتل أحد.

ما الهدف من القضاء؟ سألتُ نفسي. وهو قضاءٌ لا يزال يعتمد مصطلحات مثل «جريمة شرف»، يمكن بموجبها أن ينال المجرم حكماً مخفّفاً. حكمٌ لم يتغيّر في أسبابه المُوجِبة سوى أمر واحد: جندر الضحية.

ما هو هذا «القضاء» وفيه، على سبيل المثال لا الحصر، مادّة تنصّ على أنّ المُغتصِب قد ينال عقوبة مُشدّدة إذا اغتصب امرأة «عذراء»- مقارنةً مع اغتصاب امرأة سبق لها أن مارست الجنس.

أرى أنّ هذه المادة تحمل بشكلٍ مبطَّن القَول التالي: ينال المُغتصب عقوبة مُخَفّفة اذا اغتصب امرأة سبق لها أنّ مارست الجنس- مقارنةً باغتصاب امرأة «عذراء». تشجّع هذه المادّة إذاً على الاغتصاب.

ما تغيّر في هذه الحالة لم يكن جندر الضحيّة حتّى، فهي تمتلك في الحالتَين مهبلاً، بل تغيّرت الحالة الفيزيولوجية لهذا المهبل، وتغيّر معها الموقف من الخُرافة الهُلامية المُسَمّاة «عذرية». في مادةٍ تَدّعي الدفاع عن النساء، يُريد القضاء أن يكرّس سطوة العقل الذكوري على أجساد النساء أنفسهنَّ.


ثمّ نفرتُ من الموضوع كون المسألة القضائية ليست من اختصاصي.

فقلتُ أقصد السوق لأشتري خبزاً، ربّما أجد في طريقي مبرّراً لقتل امرأة. فذهبت.

تردّدتُ بدايةً، عند سماع جاري في باب البناية يُدين الجريمة، إلى أن قال في ختام حديثه «خير… حادث فردي». فسألتُه من باب الحشرية عن جريمة أخرى، وقال «حادث فردي»، وسألتُ عن أخرى، وقال «كمان حادث فردي». فراحَ التردّد، ووصلتُ السوق.

هناك، سمعتُ أُناساً يتهامسون:

  • لو ما عملوا شي غلط ما كان صار فيهم هيك.
  • ايه، ما أصلاً الإم مطلّقة.

لا أقول هنا إنّ هذا الحوار البسيط أعطاني المبرّر الذي أبحث عنه، لكنّه جعلني مُتصالحاً أكثر مع فكرتي. فكرة ارتكاب الجريمة من جهة، وضمانة ألّا ألقى أيّ لومٍ من الناس، من جهة أخرى، لا بل أن يُلقى هذا اللوم على الضحيّة، ولو للوهلة الأولى.

سأرتكب فعلَتي وأقول: إيه، هي غلطت معي بالأوّل.
لا أقول إنّ ذلك يُبرّر ما سأقترفه، لكنّه «عذر». وجدتُ العذر لجريمتي، ووجدتُ مجتمعاً يقنع بهذه الأعذار، لا لشيءٍ، سوى لأنّها تصدر عن رجلٍ بحقّ امرأة. لا أقول أيضاً إنّ الجرائم لا تُرتَكب بحقّ الرجال، لكن فلنقل ببساطة إنّ «حساباتها» مُختلفة.
شعرتُ أنّ لي امتيازاً غير ملموس، وأنّي لو أردتُ أن أقتل رجلاً، ثم تذرّعتُ بغلطةٍ ارتكبها معي، لكان تردّد الناس ووجدوا صعوبةً في تصديق هذا العذر- أو على الأقل لأرادوا سماع الرأي الآخر ليحكموا بأنفسهم.


ثم قلتُ ما لي وما لكلام الناس. عدتُ أدراجي، وقلتُ أفتح نشرة الأخبار، لأرى هذا الرأي الآخر ماذا يقول، فأحكم بنفسي. ووجدتُ قناةً تُدعى «قناة الجديد». لم تقدّم جديداً على الإطلاق.
كان المراسل يلهو بأغراض الضحايا الشخصية، والعدسة تلعق دمعة العائلة، والميكروفون يسأل: شو حسّيتوا لمّا عرفتوا بخبر الموت؟ زعلتوا ما هيك؟ والمُشاهَدات واللايكات تُزَغرد.
تذكّرتُ سريعاً أنّ هذه هي المحطّة التي بنت سكوباً على ظهر ضحيّة أخرى، سلبت منها المحكمة الجعفرية ابنها. غيّرتُ القناة، فوجدتُ أنّ النهج ذاته يُهَيمن على كل شاشات التلفزة.
لم أجد في هذه الآلة المربّعة مبرّراً لجريمتي، لكن وجدتُ، على الأقلّ، أنّ الضحيّة تُهَمَّش مرّتَين: مرّة من المُجرم، ومرّة من الهيئات الإعلامية المولَجة التعاطي مع قضيّتها، والمُنصاعة لقوانين «مُجتمع المشهد». فشعرتُ أنّي أقوى، لأنّ الضحيّة صارت أضعف.

تَكثّف هذا الشعور بعدما تنكّرتُ بهيئة مُجرم، واتّصلت على المحطّات، وقد أبدت جميعها استعداداً- لا بل حماساً- لاستقبالي لأقول ما عندي، بصفتي «رأياً آخر».

ارتاح ضميري، بعد أن قَلَبَت الشاشة جريمتي المزعومة إلى مجرّد رأي، يُقابله رأيٌ آخر، ووضعتنا كلَانا في الموقع ذاته. ليس في الأمر مبرّر لارتكاب جريمة، لكنّه يُعزّز بهذا القدر أو ذاك علاقات الهيمنة والعنف الموجودة في المجتمع.


بالمناسبة، اعتدتُ أن أخاف العنف في صِغَري، وأن أجتنبه. مع الوقت، ومع الوعي الذي كوّنته بفضل ما كان حولي، صرتُ أتقبّل العنف، لا بل أجده طبيعيّاً. في لاوعيي، طَبَّعتُ مع العنف.
حينها فقط اطمأنّ بالي، وقلتُ أُخبر أصدقائي عن مُخطّطيَ المُقبل.
فذات مرّة، دلَقتُ سبيرتو على قطّة الحَي وولّعتُها، فماتت- صح، لكنّنا ضحكنا كثيراً.
ثمّ نهرتُ أمّي التي احتَجّت أمامهم. خجلتُ قليلاً، لكن اطمأنَنتُ حين أباحوا لي أنّهم يفعلون الأمر نفسه في منازلهم.
ثم تصَيّدتُ الضبع الأكبر في الغابة، بدمٍ بارد، علماً أنّه لم يؤذِني. فصفّقوا لي. حتّى أنّهم وصفوني بالـ«قبضاي».

وحدث ذات مرّة أن فقدتُ أعصابي وضربتُ صديقتي أمامهم، فقالوا لي أنّي «رجّال». أحدهم قال «إيه فرجيها مين الدَكر».

لم أجد مبرّراً في كل ذلك لقتل امرأة. لكنّي وجدتُ أنّ أفعال العنف مقبولة في مُحيطي أيضاً، بهذه الدرجة أو تلك. لا بل لاحظتُ، أنّه كلّما استهدفت هذه الأفعال فئات أكثر تهميشاً، كلّما صفّق لي أصدقائي أكثر.


تحمّستُ، ودخلتُ مجموعة الواتساب. وبينما كنتُ أخبر أصدقائي عن مخطّطيَ المقبل، رأيتهم يُرسلون صور شخصٍ قالوا إنّه ألقى القبض- لا على المُجرم، بل على «مُعاون» المجرم. وراحت العشائر تُهنّئ هذا الشخص، وراح أصدقاء هذا الشخص يتبادلون التهاني والتباهي والتفاخر برجولتهم. حتّى أنّهم أطلقوا النار ابتهاجاً. من جهتي، لم أكن مبتهجاً.

نسينا الضحيّة، لكنّنا عرفنا من يملك القضيب الأكبر في الحارة، ومن هو الرجّال، ومن هو صاحب النخوة، ومن لديه السلاح الأكبر، ومن هو الأكثر تصالحاً مع فكرة القتل، وطبطبنا لبعضنا، كمجموعة من الرجال النَشامى الدَمِثين العِصاميّين، وذهبنا إلى التشييع.

هناك، رأيتُ دوائر ودوائر ودوائر من الرجال، تلفّ نعوش 4 نساء، وكأنّهم أرادوا التأكّد من إطباق الخِناق عليهم، كي لا تصرخ إحداهنَّ بالحقيقة. يلفّونهنَّ، وكأنّهم يقولون إنّ الحيّز العام ليس ملكاً للنساء إلّا إن كنَّ في صناديق.

قلتُ إنّ تلك الصورة رمزيّة، وقد أكون مُبالِغاً، فأكملتُ الصلاة وطأطتُ رأسي أمام الله- الأب- الذَكَر، احتراماً للآيات التي حَرّم فيها القتل، وغضَضْتُ نظري عن القتل المُرتكَب باسم الآيات نفسها، هناك، خلف حدود قريتي.

لكن قلتُ لنفسي إنّ هذا الأمر بعيد، وعدتُ إلى منزلي مكسور الخاطر. فحتّى في الدفن لم أجد مبرّراً لجريمتي.

لم أجد مبرّراً لجريمتي، بعد، لكنّي مع ذلك، وجدتُ كل عناصر الجريمة.