بيّ الكلّ / كلّ بيّ

أسبوع على انطلاق ثورة 17 تشرين، «سقطت» حكومة العهد.
هي لم تسقط ربما بالمعنى الضيق للكلمة، ولكنها باتت جثة مهرغلة على شكل ورقة إصلاحات رئيس حكومتها ومونتاج رئيس جمهوريتها. وفي لحظة تهاويهم، لم يجد المسؤولون السياسيون إلا خطاب «محاربة الفساد» و«إلغاء الطائفية» كمحاولة للخروج من مأزقهم. وهما شعاران فارغان يُعاد تكرارهما في كل مناسبة «وطنية».


«سقطت» حكومة العهد، ولكن لم يسقط مطلب الثورة، أي «إسقاط الحكومة».
لم يسقط هذا الشعار لأنه لم يعد حصريًا ضد السلطة. فهو شعار موجه للعصيان، يجمعه ويمنع جنوحه نحو دهاليز البرامج المرحلية والمطالب الجامعة وخطط الإنقاذ والقيادات التفاوضية. سيبقى هناك من يعتبر نفسه ممثِّلاً للعصيان أو يقدّم خدماته لقيادة المرحلة الانتقالية. ولكنّ هؤلاء، كالحكومة، سقطوا من زمان، مجرّد مومياوات تواجه جثة.


في وجه هذا السقوط، يكمن الخطر في تلخيص الثورة بقوانين محاربة الفساد واستراد الأموال المنهوبة.
تسيطر على بعض «ممثّلي» الثورة عقلية محاسب مهووس بسؤال «من أي لك هذا؟». وفي تمسّكهم بهذا الخطاب، يلتقون مع السلطة، وإن كانوا يختلفون معها على التفاصيل. البديل جاهز دائماً بالنسبة لأولئك «الإصلاحيّين»: برنامج إنقاذي، حكومة انتقالية، انتخابات مبكرة، ومن ثم ننكبّ على استعادة الأموال المنهوبة. ليس من مشكلة مع خرائط الطريق هذه، ولكن ما يجري أكبر من ذلك، أجمل من ذلك، وأعمق من ذلك.


الثورة ليست في وجه «بي الكل» لأنه فاسد فقط، بل هي في العمق في مواجهة كلّ بيّ، كلّ سلطة تحكمنا.
إن شاء الله، سنستردّ الأموال المنهوبة، وسيكون للكلّ دورٌ في قيادة المرحلة الانتقالية. ولكن قبل الوصول إلى جنّة الإصلاح، هل يمكن أن نأخذ نفساً واحداً ونستمتع بما يجري؟ نستمتع بسقوط الآباء، واحداً تلو الآخر؟ إنّها ثورة ضد الفساد، ولكنها أيضا ثورة على الحرب الأهلية، وثورة على مركزية بيروت، وثورة على الذكورية، وثورة على إدارة الجامعة اللبنانية، وثورة على المحاكم الشرعية، وثورة على الإعلام، وثورة على نظام الكفالة، وثورة على خصخصة الساحات، وثورة على اللغة، وثورة على …


«بي الكل» يسقط في الساحة، ولكنّ الآباء الآخرين يسقطون مع الوقت.
هذه الثورات تحتاج إلى وقت، وقت لاستكشاف تضاريس النظام وحدوده، وقت للبحث في شرعيات جديدة، وقت للتمرين على ما تتطلّبه تلك الثورات من كل واحد منا. هي ليست هامشية أو ثانوية أو جانبية بالمقارنة مع «الثورة السياسية» وقياداتها، بل قد تكون الأساس، قد تكون كل ما سيبقى بعد مرور الزمن، قد تكون ما سيسمح لنا بالقول يوماً ما إنّ ما كنا عليه قبل 17 تشرين ليس ما أصبحناه من بعده.