تلفزيون للثورة بنكهة السلطة

حين يتعلّق الأمر بالبروباغندا السياسيّة، كثيرًا ما تتشابه السذاجة والسطحيّة مع التواطؤ والتضليل المشبوه. ولعلّ هذه الحقيقة هي وحدها ما يمكن أن يدفعنا اليوم إلى التريّث قليلاً قبل أن نوجّه تهمة التآمر المتعمّد إلى مشروع السلطة الرابعة: تلفزيون الثورة اللبنانية المستجد. لكن، وبمعزل عن أسباب «الخبصات» المميتة التي ارتكبها هذا المشروع في بداياته، يمكن القول أنّ ما ظهر منه حتّى الآن لا يدعو إلى الكثير من التفاؤل.

عمليًّا، أُحيطت إنطلاقة التلفزيون بكثير من الضجّة الدعائيّة، خصوصًا بعدما تبيّن أنّ مؤسّسي التلفزيون تمكّنوا من استقطاب مروحة واسعة من الإعلاميين المعروفين في وسائل الإعلام التقليديّة، في حين أنّ الحملة الترويجيّة للمشروع تقمّصت الثورة وحملت شعاراتها المعروفة، لا بل استخدمت اسم الثورة نفسه كعلامة تجاريّة للمشروع الوليد.

لكن ما إن إنطلق عمل هذا التلفزيون، حتّى تبيّن أن مشروع تلفزيون الثورة لم ينتج سوى خطاب السلطة، في السياسة كما في الاقتصاد.


أوّل الإرتكابات التي تورّط بها تلفزيون الثورة، والتي أصبحت معروفة بعد أن تسبّبت بردّات فعل ناقمة على وسائل التواصل الاجتماعي، كانت اندفاعته لتحدّي وزير التربية والتعليم العالي طارق المجذوب: مش تقيلة شوي أنو توحي أنو (الوزير السابق الياس) بو صعب فاسد؟ الرجل بإعتراف أكثريّة اللبنانيين من أنجح الوزراء (…) سنكشف قريباً عن حملة ممنهجة يتعرّض لها.

في الواقع، لا يحتاج المرء إلى الكثير من التفكير قبل أن يندهش من قدرة تلفزيون «ثوري» على تملّق وزير سابق متّهم بممارسة محسوبيات أفضت إلى تعيين قريبته كرئيسة للمركز التربوي للبحوث والإنماء، فيما بات معروفًا للجميع نوعيّة الوثائق والملفات المشبوهة التي جرى الكشف عنها على وسائل الإعلام، والتي أفضت إلى تحقيقات قضائيّة لم يُبتّ بها حتّى الآن.


لكن ومع كل فظاعته، لم يكن هذا الإرتكاب أسوأ ما إقترفه تلفزيون الثورة.

ففي الحديث عن قرارات الكابيتال كونترول المستجدّة على السحوبات بالليرة اللبنانيّة في المصارف، أعدّ التلفزيون مقطع فيديو محاولاً شرح ما جرى، فيما كان من الواضح أنّ صلب السرديّة يرتكز إلى معلومات «مصادر مصرف لبنان» كما سمّاها التلفزيون.

السرديّة، وبإختصار، هي كالتالي:
مصرف لبنان لم يتسبّب بهذه الإجراءات، بل حاول الحدّ من قيمة النقد الذي كانت تستخدمه المصارف للمضاربة على الليرة.
أما الإجراءات، فالمصارف هي التي فرضتها من جانبها، ومصرف لبنان حاول معالجة الأمر عبر فرض تراجعها عنها.
والخلاصة: أموال الناس ليست في مصرف لبنان بل مع المصارف، وعليها أن تعيدها!

تتناسى هذه السرديّة أن قرار مصرف لبنان الذي قضى بالحدّ من قيمة الأموال التي يسمح للمصارف بسحبها من حساباتها الجارية لديه، جاء في سياق مجموعة من الإجراءات الأخرى التي هدفت جميعها إلى امتصاص السيولة بالليرة من الأسواق.
وتتناسى السرديّة أن هذا القرار لا معنى له إن لم يفضِ فعليًّا إلى تقليص المصارف لكمية الأموال التي تسمح لعملائها بسحبها شهريًّا.
أما مسرحيّة تدخّل مصرف لبنان لفرض تراجع المصارف عن هذه القرارات، فلم تؤدِّ إلى أي تغيير على مستوى سقوف السحب الجديدة، بل أدّت فقط إلى خفض خسارة المصرف الذي يتجاوز السقف المحدّد له.
أما أهمّ ما في الموضوع، فهو أنّ السرديّة تتجاهل حقيقة أنّ كل هذه الإجراءات لم تأتِ إلّا للتعامل مع آثار القرارات النقديّة المدمّرة التي أخذها الحاكم في الأشهر الأخيرة، والتي قامت على طبع النقد لدفع قيمة الودائع المدولرة بالليرة.

لكنّ أخطر ما في الفيديو، يبقى التضليل المتعمّد الذي جرى من خلال القول بأن ودائع الناس ليست في مصرف لبنان، بينما بات أي متابع لمستجدات الوضع المالي يعلم اليوم أن دولارات المصارف جرى تبديدها في المصرف المركزي تحديدًا، وليس في أي مكان آخر.


في كل الحالات، أصبح من الواضح أن القيّمين على إدارة هذا المشروع قادوه في أوّل أيامه إلى خطاب لا يشبه الثورة في شيء، ولا يشبه ما قام به اللبنانيون من إسقاط لأساليب تملّق وتبجيل أصحاب النفوذ الذين راكموا التجاوزات على مرّ السنوات الماضية.

إذا كانت هذه الارتكبات مجرّد هفوات في مرحلة الانطلاقة، فمن الأفضل أن يعيد القيّمون على المشروع النظر في طريقة عملهم، قبل أن يخرجوا من دائرة اهتمام الشريحة التي أرادوا استهدافها منذ البداية.

وزير التربية يكشف المحظور

تُسَجَّل لوزير التربية الحركة الطلابيّة العقد مع شركة «دنش» تنحية فؤاد أيّوب فرض على الطلاب تعهّداً الجهة السياسيّة التي وظّفتهم ولا عبر وزيرٍ نظيف

والجرائم الجنسيّة تتسارع

عنوان «جريمة شرف» سحمر يتحرّشون بطفلٍ أُحرِقَت الطفلة زينب الحسيني أزمة منظومة تتهالك التحريض على الضحية نزولاً عند رغبة «البيئة»