جثّة سعد الحريري السياسيّة

ذُبحتُ بشكل شخصيّ لدى مصافحتي بشار الأسد.

سعد الحريري، رئيس وزراء سابق

 

من المؤسف أنّنا لا نستطيع مخاطبة جثّة. فكيف الحال إن كانت هذه الجثّة السياسية ميتة منذ زمن طويل، وهي مقتنعة عكس ذلك حتى لو اعترفت بموتها علناً. وهي، كالخارج من كابوسه، تأتي إلينا كلّ فترة وتخبرنا قصّتها: أنها ذُبِحت واستُغِلّت وقُتِلت وانتحرت وتمرمغت بالوحل.

سيرتها لا تريدها مغلقةً على رواية الضحية فقط، بل تحبّ تقديس نفسها أيضاً. فهي فوق كل ما حصل لها، لم تتحوّل إلى وحش. كما تريد أن تُفهِمنا. بل صارت قدّيسة. مثل القدّيسين المترفّعين عن أي شيء. لكنّها، عكس هؤلاء، هي قدّيسة مرفّهة. ترتدي بذلات مرتّبة بكرافاتات، وتأكل الكافيار، وتشرب أفضل أنواع النبيذ الفرنسي، وتدفع من أجل ملكات جمال ليرافقنَها في رحلاتها. كما تأكل حقوق موظفيها كي تعيش في رفاهيتها. إنّها جثّة مضحّية. أمٌّ لكلّ البلد، كما في كتب القراءة. أمٌّ تفعل المستحيل كي تحمي أبناء البلد كلهم دون استثناء. تعطيهم من صدرها حناناً غير مسبوق، ولو لآخر مرّة وآخر نقطة دم.

إنّها المرّة الأخيرة التي أضحّي بها
هكذا تخاطبنا جثّة الحريري السياسية. بوعيها المحدود لقدراتها، وبفهمها الواقعي لدورها الإنقاذي، لأبناء طبقتها السياسية الفاسدة. بالتضحية بأي شيء (لكن إلى الآن لم نفهم أي تضحية تتحدّث عنها)، كي تحمي فريقها وأفراده من الحريق القادم إليهم ومن الغضب الذي سيتحوّل لا بدّ إلى انفجار شعبي.

يقول سعد الحريري إنّه مستعدّ للمخاطرة بشعبيّته ألف مرّة لأحميكم جميعاً. تشعر هذه الجثّة أنها تخاطب أشباحها (شعبية؟) فتظنّهم شعباً كاملاً. وإن حصل وخسرتهم في المقبرة الجماعية، فإنها لا تيأس من مخاطبة الآخرين، بغية حمايتهم. تحميهم ممّن؟ من نفسها؟ من أوهامهم؟ ماذا بقي من البلد لحمايته؟ الناس ماتت آمنة وهي تمشي، بسبب انفجار الأمونيوم. الناس تغرق في البحر لأنها لم تجد يابسة تؤمن لها عيشاً آمناً. الأشجار قطعت. المياه تلوّثت. الكهرباء مقطوعة. البنوك لا تعطي مالاً. الكورونا أماتت حياة كثيرين. ممَّ تحمي الناس يا سعد الحريري؟ مِن فعل الحياة نفسه الذي لم يعد موجوداً ومقدّراً في لبنان؟

يزيدنا سعد الحريري قناعةً، ببيانه الرثّ، بأنه ليس مجرّد متفرّج، بل هو مشارك مع طواقم السلطة في القتل العمد بحق أبرياء، لا بل يحاول أن يكون الجثّة التي تحمي الجنود الشرسين في الحرب الضارية. الجثة التي توضع في الصف الأمامي كي تتلقى الضربات والرصاص وتحمي مَن خلفها كي يتقدّم ويقتل. جثة الحريري السياسية تريد حماية حقل الألغام الذي يمدّ أذرعه وسمومه وقنابله بيننا. دورها محدود بهذا. الجثة التي تضحي بأعضائها ولحمها المتخثّر والمترهّل والميت، كي تحمي الوحوش التي تنتظر خلفها بأسلحتها وعدّتها دفاعاً عن وجودها.

وبما أنّنا ذاهبون إلى جهنّم، وفق رئيس جمهوريتنا المومياء، فلا بد أن يكون في جهنم نظام سياسي، والشخصية السنّية الأبرز المؤهّلة لترؤس حكومات ذاك النظام، هي الجثّة صاحبة الخبرة الطويلة في موتها السياسي وانتحارها: جثّة سعد الحريري.

هذا المنصب الذي حوّله سعد الحريري إلى سمسرة شخصية، لا يريد أن يتخلى عنه. وإن هادن هذه المرّة لتمرير الصفقة، فإنّه يعلم أنّه في يوم ما ستعود رئاسة الحكومة إليه. الطاقم لن يتخلى عنه، هو أفضل شريك سنّي ضعيف ولا شخصية له. فهو يخرج بمظهر العدو، ويجالسهم سرّاً بمظهر الحليف، المبتسم، ملتقط السيلفي.

على أحدهم أن ينبّه هذه الجثّة أنّ لعبتها المفضّلة لم تعد تنطلي على أحد. لم يعد يصدّقها أحد، حتى أشباح شعبيتها. هي فقط جثة سياسية لا فعل لها ولا حضور، سوى تسجيل مواقف وبيانات فارغة، نعرف جميعاً أنها غير مؤثرة، حتى لو جيئت بسياقات ومؤثرات صوتية ولغوية موغلة بإشعارنا بالذنب، وبتقديس ذاتها المضحّية.

على أحدهم أن يأخذ هذه الجثّة السياسيّة بعيداً، رفقاً بها. ويوشوشها سرّاً أنّ تجرُّع السمّ لا يميت الجثث مرّة أخرى.

الحريري والجواد الأبيض

كانت هذه مرحلة عودة الحريري- الأب، على جوادٍ أبيَض، ليخلّصنا من دمار الحرب وهذا الجواد كان شعبيّة الحالة الـ14 آذاريّة وتبنّيها له عام 2005 هذه المرّة، الحريري هو بهاء، والجواد، للمفارقة، هو الاستفادة من جثّة الجواد السابق هذه اللعبة مكلفة، وها هي تُلعَب للمرّة الثالثة

17 تشرين وأشباح 14 آذار

هذه المحاولات لـ«ركوب الموجة» مستمرّة منذ أوّل أيّام الانتفاضة فكيف ننسى نهب سوليدير لوسط بيروت سعى التحالف لتقديم صورة «مدنيّة» و«لاعنفيّة» عن نفسه لا جدوى من محاولة خلق ربط بين ما يسمّى «ثورة الأرز» و17 تشرين