حزب الله فعلها. وبعدين؟


لم نعد في الـ2005. لم نعد نحتاج أن نتّهم أجهزة أمنية، مبهمة وغامضة، لكي نشير إلى الفاعل الخفي. ولم يعد هناك بطولة في تسمية الأمور كما هي أو فعالية سياسية لمجرّد البوح عن هوية هذا القاتل.

حزب الله فعلها. حزب الله قتل لقمان سليم. كما قتل الكثير من قبله. كما قتل أكثر في سوريا. ولنذهب أبعد من ذلك. لا تؤخَذ قرارات كهذه إلّا بمعرفة حسن نصرالله. فيمكن، من دون الكثير من التكهّنات، اعتبار حسن نصرالله مسؤولًا عن هذه الجريمة، كما الكثير من الجرائم قبلها.

لا ضرورة لبطولات لقول هذا الكلام. ولا لشجاعة. القاتل بحدّ ذاته لم يعد يختبئ، بل يريدنا أن نعرف، أن نردّد إسمه. هذا جزء من الجريمة، من قدرتها التأديبية.

لكن، وبعدين؟

ماذا بعد القول والفضح والاتهام؟ ماذا بعد انتهاء مبارزة من يسمّي ومن يتقاعس عن التسمية، وبعد انتهاء عملية دوزنة البيان لكي يكون فضفاضاً كفاية ليضمّ أكبر عدد من التواقيع؟ ماذا بعد أن يمرّ هذا الاغتيال مرور الكرام، كالاغتيالات التي سبقته، ونبقى في وجه حقيقة مرة، حقيقة أن حاضرنا السياسي انبنى جزئيًا على اغتيالات الماضي ومجازر الحرب بسوريا، وهي جرائم باتت بدون محاسبة، بل بالعكس، كوفئ المجرم عليها؟ وماذا بعد مواجهة الحقيقة الخبيثة أنّنا اليوم على قيد الحياة لأنّ حزب الله قرّر أن لا يقتلنا. بعد.


حزب الله فعلها.

هناك من يريد أن يحاول ضمن هذه الحدود، في الوقت الضائع قبل أن يأتي قرار اغتيال آخر، أن يبتكر سياسة مختلفة، ريثما تُبنى دولة تحمينا. تحالف كبير من «المواطنون والمواطنات في دولة حزب الله» يحاول أن يمزج بين معارضة شرسة للنظام واستنكار مبهم للجريمة. في الماضي، كنّا صرفنا وقتاً لمحاججة موقف كهذا. أما اليوم، فلم نعد نحتاج إلى ذلك. جمهور الحزب أخذ هذا الدور على عاتقه، مؤدِّبًا حلفاءه الذين استنكروا ورسم حدودًا أضيق للمقبول في دولة حزب الله.

بيد أن الخيار المقابل، أي الخيار الأخلاقي بالوقوف أمام هول الجريمة، يعيدنا إلى «معضلة حزب الله»، أي إلى السؤال الأساس: ما الذي يمكن فعله في وجه ماكينة قتل، متلطّية بحزب له قاعدة شعبية واسعة وامتدادات إقليمية ضخمة؟ في وجه هذه المعضلة، كثرت بالأشهر الماضية حلول عبثية، من الانفصال إلى المطالبة بتدخّل أجنبي، مرورًا بمراهنات على تحوّلات إقليمية، وهذه كلّها لا تشكّل مواقف سياسية بقدر ما هي عوارض لهذه المعضلة، محاولات لتخيّل حلّ سحري ينقذنا من خيارَي هذه المعضلة: الاغتيال أو الحرب الأهلية.

ليس عيبًا الاعتراف بالعجز أحيانًا وبحتميّة المأساة.


بعد تجميع الشجاعة وتسمية حسن نصرالله بالإسم وبالعلن، هناك شجاعة إضافية مطلوبة، شجاعة معرفة ماذا نفعل بفعل كهذا. فتسمية حزب الله اليوم باتت كتسمية بشار الأسد، فعل ذاكرة. نؤرّخ لحاضرنا بتسمية كهذه، ونذكّر بعضنا بعضاً بأنّ حاضرنا نتيجة قتل وعنف، ونحاول قدر المستطاع أن نشارك بكتابة تاريخ هذا الحاضر، إن كُتب يومًا هذا التاريخ. رصاصات خمس كفيلة بتذكيرنا بهذا.

لم نعد في الـ2005. بعد هذا التاريخ، كان هناك «7 أيار» ومن ثمّ الحرب في سوريا، ومن ثمّ التسويات التطبيعية للقتل. وبعد كل هذا، كان الانهيار العام للبلد. لم نعد في الـ2005 ولم يعد هناك ما بعد الاغتيال. فنحن محكومون بهذه الرصاصات الخمس وتكرارها. ومع كل واحدة منها، سنكرّر «حزب الله فعلها»، حتى لو كانت هذه هي الكلمات الثلاث الأخيرة التي يمكن لفظها، أو لأنّها الكلمات الوحيدة التي يمكن لفظها.

حزب الله فعلها.