خارج الواقع: معركة الطيّونة ضد المارّة فقط

إذا ما تمّ تطهير أبواب الإدراك، سيظهر كلّ شيء للإنسان كما هو… لا نهائياً. لأنّ الإنسان يتقوقع على نفسه فلا يرى كلّ شيء إلا من خلال شقوقِ مغارته.
— ويليام بليك

شعرت بالراحة في قفصي الصدري ما إن وطأت رجلاي مطار صبيحة في اسطنبول. 

كنت قد نسيت كليّاً أن هناك حياة كنت قد بدأتها كمهاجر في الـ2018 حين قررت ترك بيروت والهجرة إلى اسطنبول بلا أي خطة حقيقية سوى الهروب من أجل حياتي. بدأت أتدارك الأمر في السوق الحرّة التركية حيث كنت أسير وبيدي حفنة من الدولارات كنت قد جمعتها بـ«طلوع الروح» كي أعود مؤقتاً إلى أغراضي وأصدقائي ومجتمعي الذي عملت جاهداً على إبقائه على اتصال معي خلال إقامتي شبه الجبرية في بيروت بين تشرين 2019 وتشرين 2021، إقامة لم أتوقّع أن تتخطّى الشهرين.

خرجت من المطار التركي بعد سنتين في لبنان غصباً عنّي، واتجهت إلى الباص الذي سيقلنا الى أحياء وشوارع أنقذتني من الانتحار الذي كنت أزرعه بشكلٍ دائم في وجداني اللبناني. كانت أبواب الإدراك داخل دماغي تتفتّح وتشير لي بأنني لم أكن أعيش حياةً طبيعية في لبنان، وأنّ عليّ أن أتوقع اللانهائي، ويمكنني الآن الخروج من قوقعتي، من مغارتي لأرى العالم بوضوح ببعض الوسائل المادّية. 

ما إن وصلت إلى إجازتي النادرة من نوعها حتى عاد الواقع غير الواقعي إلى هاتفي الجوّال، وبدأت أرى المعركة من الخارج دون تغطيتها على الأرض. كانت معركة الطيونة الحدث الأول خلال سنتين بدون مشاركتي بالتغطية. شعرت بالقلق الذي عاشه أصدقائي المهاجرون خلال أيام 17 تشرين والكورونا والانهيار الاقتصادي وجريمة تفجير مرفأ بيروت. 

واقع لا أريد أن أعيشه لا من قريب ولا من بعيد.

هذا الواقع هو من صنع الخيال العلمي الإجرامي. كلما تقدمت في السنّ لاحظت أنني أعيش حياةً غير واقعية بجديّتها المفرطة غير الفعّالة. لا مكان للّعب في ساحات الحرب، ولا حتى هناك أي وقت لتدخين سيجارة «برواق». فلعلّ بوز السيجارة المشتعل سيتحوّل إلى نقطة على رأسي للقناصين. القناصون من صنع الخيال أيضاً، خيال يحثّنا على التأقلم مع أحداث دموية مليئة بما يُسمى بالموت المجاني.

كم من شهيد إلهي نحتاج لنعترف بأن الله غير موجود على أراضينا اللبنانية.

وإن كان موجوداً فنحن «آخر همه».

ما من قوة ربانية سماوية بتلك الضخامة ذات نفحة أبوية لا تكترث لتلك الدرجة لعبادها. قوى الله على الأرض ليست سوى توابيت مُلغّمة، تُرمى بلا أي تصفيح، بلا أي اكتراث، فهي ستعود إلى ربّها راضية ومرضيّة رغم كل شيء.

ثمة من يحاول تنميط المعركة لتصبح ما بين الله وابن الله. 
بين رجال الله وجنود الرب. 
بين ملتحٍ إسلامي وذقن شائبة مشذّبة بطريقة مافيوزية. 
بين عمامة سوداء تتكئ إلى قرابتها بالنبي ومجرم حرب يدّعي حماية الشرعية والبقاء للبنان.
بين نصرالله وجعجع حرب للبقاء، ولا يهمّ عدد الجنود، الأهم من هو الجزّار الأكبر ومن سيصفّينا؟ نحن المتفرّجين، العزّل، ذوي الصوت الخافت في أروقة بيوتنا. 
نحن أولاد الـ«كوريدورات» والاختباء من الرصاص الطائش.

شهد التاريخ آلاف المعارك بين من هم كُثر ومن هم قلّة، وكانت نتائجها انتصار الأضعف.

حزب الله الصغير المنتصر في تموز 2006 بعتاده المتواضع بوجه إسرائيل بات يفتخر اليوم بمائة ألف مقاتل جاهزين للفناء بأي ثمن ليبقى نصرالله قيد الحياة. وإن مات نصرالله، فهناك مائة ألف عمامة سوداء غيره جاهزة بأصابعها الفولاذية لسحق كل من يقف بوجهها. حزب الله يعشق مسيرة «المستضعف» الذي نال قوته بيده و بشراسة، ويستثمر انتصاراته الشخصيّة ليرجم رأسنا بشكل يومي بواقع يفرضه علينا، أننا لا يمكننا العيش بدونه وبدون طعامه والمازوت والبنزين والبواخر الإيرانية.

أسمعها دائماً: وماذا سيفعل الجيش اللبناني من دون الحزب؟ 

لا داعي لابتزازنا بضعف دولتنا المنهوبة يا أخي. أنت تمتلك نفوذاً ماليّاً يُقدَّر بـ700 دولار شهرياً على الرأس للمجاهد؟ أي ما يعني 840 مليون دولار سنوياً على المائة ألف مقاتل؟ غير السلاح والتقديمات والمؤسسات والمستشفيات ومراكز الأبحاث والسجون السرّية وعمليات القتل المشروع وغير المشروع وأدوية القلب المشروعة ومنشطات الكبتاغون المهرّبة والبرامج والتلفزيونات والراديو والصحافيين المرتزقين من جيبك. 

أحقاً علينا أن نتأدّب؟ لمَ تكترث لما نقوله نحن الطفيليّات يا سيّد؟ أنت أقرب إلى الله منّا... لمَ تكترث؟

جعجع يقول لك إنّه يريد سحبك إلى التحقيق. خدلك بقى هالثاني.

جعجع الذي لا يكلّ ولا يملّ من حجّة أنّه قضى وقته في السجن على جرائمه، وأنّه قام بتطهير نفسه وأبواب الإدراك عنده أنك أنت العدو وهو الحامي للشرعية. أنت تسرح وتمرح تحت الأرض بمعاشك الفريش دولار من طهران (1200 دولار حسبما يقول الأمين العام)، وهو يسرح ويمرح بشجر الأرز الذي لو كان يُصنع المال منه لقام باحتكاره أكثر وأكثر.

على كل حال… هذه حرب شوارع تحتاج لتمويل ولمستثمرين يشترون الوقت في حربهم للبقاء، وها قد وجدناكم أنت وهو وهي وهم وهن تثبتون مقولة العرص المصرفي بارون روثشايلد:

إنّ وقت الشراء هو عندما يكون الدم في الشوارع.

«الأمن أوّلاً»: طريقنا إلى الاستبداد

ما يحدث يدخل ضمن محاولات إعادة كتابة العقد الاجتماعي نرى الكثير من التوقيفات، ومحاكماتٍ عسكرية سيزار بكاريا هو فيلسوف وسياسي ورجل قانون مهّدتْ كتاباته لإنشاء العدالة الجزائية المعاصرة هل نجح الرئيس في الحفاظ على الأمن؟

عن مندسّي العالم

خطاب واحد عن اندساس الاحتجاج إلى داخل الجماعة السلميّة تحريك انقسامات المجتمع ليس «المندسّون» فئةً اجتماعية تحدّدها صفات بيوغرافية فمن أهمّ ثنائيات السياسة، ثنائية «نحن/ هم» يسيطر المندسّون على الساحات ليعلنوا زوال «النحن» الثابتة