يوميات الهجرة الجديدة
سامر فرنجية

رسالة لمن بقيَ هنا

20 كانون الأول 2021

1

نراسل عادةً من ذهب أو رحل، من بات بعيدًا. نخصّص له رسالة مكتوبة، صفحاتها مليئة بأخبار وتساؤلات أنتجها البعد المستجدّ. نحاول من خلال الكتابة أن نعوّض عن فقدان العلاقة اليومية، المباشرة، المعاشة، الحميمة… نحاول أن نترجم عواطفنا إلى كلمات باردة، موزونة، نختارها بتأنٍّ وهدوءٍ، من بُعدٍ، بعدما انتهينا من تحسّس العواطف وبدأنا بمحاولة وصفها. لكن كيف نكتب عن الرائحة، النظرة، اللمسة، القرب… عن حميمية العلاقة التي كانت يومًا بيننا؟ فنستسلم إلى الكلمات وبُعدِها، إلى المسافة بين السؤال والجواب الذي يفرضه هذا الشكل من التواصل. وفي هذه المساحة، بين الرسالة والردّ عليها، في هذا المكان القائم على الانتظار، انتظار الردّ المتأخّر، الدائمًا متأخّر، تُخلق علاقة جديدة بيننا، علاقة أشبه برثاء طويل وبطيء لما كنّا يومًا ما، سوية أو بمفردنا. 

2

لكنّ هذه الرسالة ليست موجّهة إليكَ، أنت الصديق الذي قرّر، ولك كامل الحق، بأن تهاجر أو تغادر. إنّها موجّهة إليكِ، أنت الصديقة، التي ما زلت هنا. أراك ربّما كل يوم. صدفةً؟ لا أدري… فلم نعد كثراً هنا، والتلاقي بات حتميًا بتلك الأماكن القليلة المتبقّية. إنّها موجهة إليكَ، أنت الجالس إلى هذه الطاولة القريبة، أنت الذي لم تقرّر المغادرة بعد. أو بالأحرى، لم تأخذ أي قرار. فالبقاء ليس قرارًا، هو مجرّد تمرير للوقت، ربّما تأجيل للقرار الوحيد المتاح، تأجيل ناتج من هذا الخوف من الإنسلاخ، مجدّدًا. البقاء ليس مقاومة، مهما حاول الممتعضون الجدد تأكيده. البقاء خوف، والذين رحلوا قد يكونون آخر الشجعان. 

3

هذه الرسالة إذن موجّهة إليكِ، أنتِ الصديقة التي ما زلت هنا. لا أدري لماذا أناديك بالصديقة. فنحن لسنا أصدقاء بالضرورة، ربّما أقرب إلى شركاء في زنزانة أو غرباء عالقين على جزيرة معزولة. أراك تجلسين كل يوم إلى الطاولة ذاتها، في الساعة ذاتها. وجودك بات من أساسيات نهاري، وإن كنت لا تدرين ذلك. مع الوقت، أصبحنا أقرباء، وإن بطريقة غريبة بعض الشيء. نتشارك الأحزان سوية، نتساعد في بعض الأحوال، نسمع لبعضنا بعضاً عن صعوبات النهار. ولكنّنا لا نتشارك الأفراح، ليس حتى الأخبار غير المرتبطة بسعر الصرف أو دوام الموتور. نحن أقرب إلى شركاء في زنزانة، نتشوق لساعة الفرج، الهروب من هنا، ولكن أيضًا من بعضنا بعضاً. فندرك أنّ يوم الخيانة آتٍ، يوم الرحيل، فنحاول ألّا نتعلّق ببعضنا بعضاً، أن لا نصبح عائقاً للهجرة القادمة، أن لا نتحوّل إلى مناسبة لوداع أليم إضافي. 

4

هي رسالة إذن، ربّما لأن القرب المادي بيننا يخفي بعدًا عاطفيًا. فرغم تشاركنا الأيام، لم أسألك يومًا كيفك؟ يبدو هذا السؤال البسيط غريبًا، محطّ سخرية، مزحة نتبادلها ولكنّنا لا نجيب عليها. عنجد بدك تعرف؟ لا ما بدي، بس عم إسأل. لا نسأل إذن، ربّما لأنّنا ندرك تمامًا الجواب. ندرك تمامًا أنّه عند الساعة الثالثة من الصباح، كلنا، نحن الذين بقينا هنا، مستيقظون في سريرنا، ننتظر جوابًا على هذا السؤال. فلا نسأل. ربّما بتنا نسخات رديئة عن بعضنا بعضاً، أو هكذا نريد أن نرى بعضنا بعضاً، نسخات متعدّدة لشخص واحد ينهار هنا. فنترك سؤال كيفك؟ لمن هاجر أو غادر، لمن قبلت بالإنسلاخ لكي تستعيد قصتها، رواية ما عن نفسها، لكي تعود إلى مشاكلها الخاصة التي جمّدتها أواخر العام 2019. هي رسالة إذن، لكي أقول لك أنّني لم أسألك كيفك؟ 

5

هي رسالة لن تبدأ بهذا السؤال البديهي، ولكنّها لن تتعدّاه أيضًا. فإذا كانت الرسالة الموجّهة إلى الصديق الذي غادر تعبّر عن فقدان لعلاقة كانت تربطنا يومياً، فإنّ هذه الرسالة تشير إلى فقداننا المشترك لهذا الداخل، هذا العمق العاطفي الذي يشكّل هدف سؤال كيفك؟ فلم نخسر، مع مرور الأشهر، أموالنا وأصدقاءنا وحياتاتنا فحسب. بل فقدنا داخلنا، عمقنا النفسي. أصبحنا، يا صديقي، كائنات لا يحدث معها شيء، داخلنا ترداد لنشرات الأخبار الليلية. فمتى كانت المرة الأخيرة التي جلسنا فيها لكي نتحدّث عن علاقة غرامية أو مشروع عشاء أو مشكلة في العمل أو مجرّد حادثة ليست ناتجة عن الإنهيار العام؟ وهل ما زالت هذه الأمور تحصل هنا؟ هل هناك مَن هجرت عشيقتها في هذا الانهيار، هل هناك من وجد قوّة داخلية لكي يلاحظ أنّ الحب انتهى؟

6

قد تبدو هذه الرسالة رسالة تعارف، ولكنّها أقرب إلى رسالة وداع، إلى رسالة انفصال لم تسبقه علاقة. فلا يمكن الاستمرار هكذا. باتت علاقتنا أقرب إلى سجن، إلى طوق، يُسكتنا تدريجيًا، يومًا بعد يوم. فلقاءاتنا المتكرّرة لم تنتج عمقًا بعلاقتنا أو تعارفًا أكثر حميمية أو امكانيات غير متوقعة. باتت علاقتنا سجنًا، نرى في انعكاس واحدنا للآخر انسداداً لأفقنا المشترك. ما يجمعنا اليوم قد يكون فقداننا للفضول، وهو كما تدري من أكثر الميزات أهمية وأقلّها تقديرًا. فقدنا حس الاستغراب، سوية يا صديقي. فإذا قطع ديناصور من أمامنا، ونحن جالسون بهذا المقهى، لن نهتز، قد نتبادل النظرات سريعًا، نبتسم، ونسأل إن كان هذا الديناصور يقبض بالدولار أو اللبناني. ومن ثم نعود إلى عوالمنا المتوقّعة. 

7

لا نستطيع الاستمرار هكذا، نحن الذين ما زلنا هنا. لا نستطيع الاستمرار من دون فضول، من دون البحث عن رواية ما، عن محاولة سرد لواقعنا، ربّما البحث عن بعض الملذّات في ظل هذا الانهيار. ندرك تمامًا أن القدرة على رواية هذه المرحلة باتت اليوم تُهرَّب داخل حقائب الذين قرّروا الرحيل. هم من سيروي ما حدث، بذنب، ونحن من سيعارض هذه الرواية، بغيظ، وكأنّنا محكومون بأن نعيد تجارب كل الشعوب التي عانت من الهجرة. الرواية مقابل الدواء، هذه هي المعادلة التي تحكم علاقة الخارج والداخل. لكن هل نريد تكرار هذه التجربة، وهل نريد تكرارها ونحن في موقع «الداخل»؟ يبدو أنّ صمتك اليومي هو الجواب على هذا السؤال. لن نكررها لأنّنا كلنا سنغادر. هناك من غادر جسديًا، بضجيج، وهناك من غادر داخليًا، بصمت. لن نكرّر هذه الجدلية، لأنّ هناك طرفًا منها غير موجود هذه المرّة. 

8

في شكل الرسالة، كطريقة تخاطب، دعوة ضمنية لردّ ما، مهما كانت الرسالة قاطعة أو صارمة. ردٌّ لا أتوقّعه بالضرورة. لا أدري حتى ما أريد أن أقرأه كردّ. ربّما كل ما أريده من هذه الرسالة هو أن نعترف لبعضنا بعضاً أنّنا بتنا «الداخل»، أشبه بالجماعات التي وُضِعت بمحميّات، حدود أفقها محصور بأسوار هذه السجون القانونية. قد لا نستطيع مقاومة هذه الهزيمة بالفعل، ولكن يمكن، على الأقلّ، رفضها بالكلمة. يمكن على الأقلّ رفض فكرة أنّ لا حياة هنا، أنّ هنا مجرّد وقت يمرّ من دون أن يحدث شيء يُذكَر فيه. يمكن أن لا نعامل هذا «الداخل» كغرفة انتظار، نستعدّ لمغادرتها، ومغادرة بعضنا بعضاً في أي لحظة. أو على الأقلّ، أن نستعيد بعضًا من فضولنا تجاه غرفة الانتظار هذه، أن نعيد ترتيب أثاثها، أن نفتح شبابيكها، أن نستبدل إيمائة الرأس عندما نتلاقى صدفة بسؤال كيفك؟ إنّها دعوة، ولكنّ خوفي أنّ جوابك سيأتي متأخّرًا، ككل الأجوبة على الرسائل، دائمًا متأخرة. فالرحيل قد يكون أسرع من ردّك.

مــــــلــــــف
الهجرة الجديدة

يطرح هذا الملفّ جوانب مختلفة من موسم الهجرة الحالية، هجرة آتية بعد سنة من الثورة والانهيار والانفجار. ترسم مقالات المشاركين عالماً مسلوخاً بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهجرةً من دون عودة تؤمّن خلاصها.

الهجرة الجديدة، الهجرة الأخيرة سامر فرنجيّة يوميّات مغترب جديد جوناثان داغر المساحة بين هنا وهناك: عن الهجرة والذاكرة سنا التنوري كرم إلى أن ينبت العشب من تحت الزفت ريان ماجد في المنفى ركاكة رنا عيسى الهجرة هجرتَيْن ألفة السعداوي شجرة الثأر تانيا الخوري انفجار جديد، انهيار آخر: المتاهة المتجدّدة فادي بردويل

تم نشر الملف في 13 آذار 2021.