ركاكة نقد الثورة

حملت ثورة ١٧ تشرين الكثير من المفاجآت. مفاجآتٌ لم تصعق السلطة وحسب، بل شكّلت صدمةً إيجابيةً للمشاركين فيها والمؤيّدين لها. لكنّ المفاجأة التي لم تحدث هي تلك التي تتعلّق بنقد الثورة. فكلّ ما يصدر عن الغاضبين على الثورة، أو المستائين من «انحرافها»، أو الباحثين عن «الثورة الحقيقية» التي لن يعثروا عليها، يبدو وكأنّه مجرّد إعادة تدوير لعدّةٍ قديمة مضى تاريخ صلاحيّتها.

فإذا جمعنا لائحة الاتّهامات الصادرة بحقّ الثورة، لن نجد ضمنها أيّ جديدٍ يخصّ ثورة تشرين. الاتّهامات كلّها مستوحاة من خطاب 8 آذار 2005، أو من الخطاب المعادي للثورات العربية منذ 2011، أو من السهام التي وُجِّهت إلى حراك 2015. اتّهامات تتلخّص بما يلي: التدخّل الأميركي للانقضاض على المقاومة. تمويل السفارات الغربية. الدور الشيطاني للأن. جي. أوز. شبح الربيع العربي الذي لم يكتفِ بتدمير عدّة دول في المنطقة. دول الخليج: قطر، السعودية، والإمارات، بصرف النظر عن الخلافات بينها. تركيا الطامحة لاستعادة دور الأمبراطورية العثمانية. كأنّ الوقت يمضي، والانتفاضات ودوافعها تتغيّر، والأجيال المنتفِضة تتبدّل، لكنّ أصابع الاتّهام جامدة كعقارب ساعة تأبى الاعتراف بمرور الزمن.

ربّما كان المتغيّر الوحيد هو أنّ التيار الوطني الحرّ يقف في الواجهة هذه المرّة، فارتدى الهلع من الثورة ثوباً محافظاً مسيحياً أحسن تلخيصه في تغريداته وإطلالاته، المخرج شربل خليل. وغالباً ما يعكس هذا الهلع المحافِظ مشاعر رهاب المثليّة التي لم تشفَ بعد من قضية مشروع ليلى، ومعاداة السامية التي راحت تركّز على الأصول اليهودية لجورج سوروس، المموّل المفترض للثورة، ناهيك بالتحذير من تفشّي المخدّرات والجنس على الجسور وفي الساحات.

لكن، إذا تجاوزنا هذا النوع من الفوبيات المحافِظة، نرى فزّاعة الأن. جي. أوز. تقفز إلينا طازجةً من حراك 2015. آنذاك، انطلق الحراك فعلاً من قِبل مجموعة «طلعت ريحتكن» التي تشكّلت من ناشطين مدنيّين كانوا قد قاموا بتحرّكات سابقة ضدّ التمديد المتكرّر للمجلس النيابي، قبل أن تلتحق بها جمعيّات ناشطة أطلقت برنامج الحراك المدني. أمّا اليوم، فإنّ كلّ هذا الجسم «المدني» يلهث للّحاق بالشارع. لقد التحق ناشطو الأن. جي. أوز بالثورة، ولم يُشعلوها. ورغم كلّ ما يقوم به المجتمع المدني، لا يزال دي. جاي. طرابلس، مثلاً، يتمتّع بفضلٍ على الثورة أكبر بما لا يقاس من كلّ النشاطيّة المدنية.

ورغم أنّ حراك 2015 كان آخر الاحتجاجات الشعبية الكبرى في لبنان، تبقى الحجج الأكثر شيوعاً ضدّ ثورة تشرين هي الحجج نفسها التي استُخدمت في 2005. وقد أعطى الأمين العام لحزب الله، في خطابه الثاني بعد الثورة، الإشارة لنفض الغبار عنها. لكن، إن عُدنا إلى ذاك التاريخ، وجدنا أنّ فريقاً من اللبنانيين نزل إلى الشارع آنذاك رافعاً راية «انتفاضة الاستقلال» في وجه الوصاية السوريّة. فرفع الفريق الآخر في وجهه حجّة التدخّل الأميركي لضرب الدعم السوري للمقاومة. كان الاحتلال الأميركي للعراق لا يزال طازجاً، وكانت الإدارة الأميركية قد أعلنت عزمها نشر الديموقراطية في الشرق الأوسط، على طريقتها. لم يختلف الفريقان على وجود «مشروع أميركي في المنطقة». اختلفا على إمكانيّة استفادة لبنان من العوارض الجانبيّة لهذا المشروع.

أين نحن من كلّ ذلك اليوم، بعد ما جرى في سوريا، وما فعلته روسيا وبهلوانيّات إدارة ترامب؟ أين نحن من كلّ ذلك، وحزب الله هو الأكثر حماسةً لإعادة سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة؟ كيف نصدّق أنّ هتاف الهيلاهو تمّت فبركته في البيت الأبيض، وأنّ جبران باسيل تؤرّقه استعادة فلسطين؟ أعيدوا هذا الخطاب إلى التتخيتة. أعيدوا معه شعارات الحرب الأهلية. تلك التي استخدمها سمير جعجع في ثمانينيّات المنطقة الشرقية يوم رفع صوره مكتوباً عليها «الأمر لي»، ويستعيدها حسن نصرالله اليوم رافعاً إصبعه الشهير في صورة عملاقة علِّقت له في بيروت، كُتب تحتها: «الأمر لك».