رياض سلامة: أنا البروفيسور

في عزّ الانهيار المالي والنقدي، برزت معركةٌ بين حكومة التكنوقراط وحاكم المصرف المركزي رياض سلامة كانت آخر فصولها إطلالة الحاكم التلفزيونيّة. إطلالة تدّعي مخاطبة العقل بلغة الأرقام لا العواطف، بدا فيها الحاكم كمَن أصابتْه عدوى الاجتهاد التكنوقراطي، فاختار إعطاء دروس مكثّفة بقانون النقد والتسليف، والسياسات النقدية في العالم، إضافةً إلى حسابات وأرقام ألقاها علينا غير مستعين بـ«إكسيل» أو «باوربوينت» كما يفعل خصمه.

رسالة إلى حسان دياب

ردّ الحاكم على شكوى رئيس الحكومة من عدم التنسيق معه، فأكّد رفض المصرف المركزي المسّ باستقلاليّته، معلناً أنّه سيستمرّ بإصدار التعاميم غير مرغَم على التنسيق مع أحد. وإن فعل، فسيكون ذلك عن حسن نيّة، خصوصًا في ظلّ الحملة الغوغائيّة التي يتعرّض لها لجعله «كبش محرقة» لحكومات فاسدة وغير مسؤولة سرقتْ ونهبتْ وعرقلت الاقتصاد بسجالاتها السياسيّة.

لكنّ رسالة الحاكم الأساسيّة إلى حسّان دياب لا تطال شكوى الأخير، بل تطال خطّته «الإنقاذيّة» وأرقامها التي يراها الحاكم وهميّةً حول خسائر المصرف المركزي.

فما تحتسبه الحكومة «خسائر» ليست كذلك، فكيف إن جاءت وفق حسابات من لا يجيد حساب أبسط الأمور مثل التحويلات إلى الخارج؟

خلّيني خبّركن عن مصدر العجز والخسائر

وفق سلامة، لا يكمن العجز والخسائر في ميزانيّة مصرف لبنان، كما تدّعي الحكومة في ورقتها المهينة. فالعجز الظاهر سببه عجز الموازنات العامة لحكومات متعاقبة، والمصرف المركزي لم يقطع التمويل عن الدولة يوماً، مدجَّجاً بأمل لا يتلاشى بقيام الدولة بتحسين موازنتها العامة وتخفيف الفساد لمصلحة اللبنانيّين، وهو الذي سهر على تأمين ثبات سعر الصرف ومستوى معيشة للّبنانيّين لا يحلم بها أيّ بلد في المنطقة.

اختار المركزي تمويل الدولة تكراراً ومراراً، استناداً إلى القانون عينه الذي ينصّ على تمويل الدولة مقابل سندات، عند إصرار الحكومة. بل فعل أكثر من ذلك، فحوّل أرباحه للدولة، وساهم في خفض الدين العام.

أما الهندسات المالية التي بدأت في 2016، فهي ليست «مؤشّرًا سلبيًّا»، بل تمّت بكلفة «مقبولة» لكسب الوقت لمصلحة حكومات كسولة لم تحسّن موازناتها، وأوصلها سلامة بفضل هندساته إلى برّ أمان مؤتمر سيدر. أي أنّ تلك الهندسات التي درّت أرباحًا طائلةً على المصارف، لم تكن إلا تضحيةً في سبيل حكومات لا تقدّر الجميل.

وهمُ الانهيار النقديّ

في عالم رياض سلامة، لا خسائر إذًا لدى المصرف المركزي، لكن حتّى لا إفلاسَ في القطاع المصرفي. وانطلاقًا من هذا المنطق، أكّد الحاكم على دفن الهيركات بعد قتله سياسياً.

أوّلاً، عبر نفي علمه بوجود الهيركات كوسيلة متّبعة في العالم.

ثانياً، عبر التأكيد على المضيّ قدماً بتعاميمه المتعدّدة لسحب ودائع الدولار بالليرة «على سعر السوق» بحجّة الحفاظ على القدرة الشرائية للّبنانيين، غير آبهٍ بتداعيات خطّة الـlirafication على المزيد من التدهور في سعر الصرف.

لكنّ الأهمّ يبقى، وفق سلامة، انتفاء الحاجة للهيركات أصلاً ما دام الإفلاس ليس حاصلاً، وكلّ ما علينا فعله إدخال عملة أجنبيّة إلى القطاع المصرفيّ لمدّه بالسيولة وإعادة تحريكه.

سعر الصرف مستقرّ

كانت سياسة سلامة ولا تزال: الحفاظ على الاستقرار النقدي، وضمان أنّ الليرة بخير، والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، وتمويل الاستيراد للموادّ الأساسية. والوضع في ما يخصّ ذلك على ما يرام، والدليل هو أنّ سعر الصرف في المصارف ما زال ثابتاً، وأنّ المصرف المركزي قام بإنشاء صندوق في الخارج، أطلق عليه اسم «أوكسيجين»، لتمويل استيراد الموادّ الأولية. 

أمّا سعر الصرف في السوق، فلا قدرة لسلامة على التدخّل فيه عبر ضخّ الدولارات، خوفًا من خطورة تحويلها إلى الخارج من قبل «العمّال الأجانب»!


توّجت خطّة الحكومة حقيقةً لم نكن نجهلها: خسائر نموذج اقتصادي على مدى عقود، ومن ضمنها خسائر المصرف المركزي. أتت هذه الخطة تلبية لجهات مانحة ودائنين خارجيّين لن يقبلوا بتأجيل أزماتٍ متعاقبة عبر سياسات ترقيعيّة ووعود نافرة، بل سيمنحون ديونًا مشروطةً بخطّةٍ كاملة متكاملة لإطفاء جميع الخسائر. لذلك، طرحت الخطّة إعادة هيكلة المصارف التي تبدأ بتحميل المساهمين الخسارة، ومن ثمّ كبار المودعين، على غرار الوصفة النصّية للتعامل مع الأزمات المصرفيّة في العالم.

اليوم، لم يُبدِ رياض سلامة رأيًا مغايرًا فحسب، بل أراد نسف كلّ الافتراضات التي تقوم عليها خطّة الحكومة، معلنًا: أنا البروفيسور.

الإتجار الوقح بالجوع

بهدف الضغط على حكومة حسان دياب لكنّ إجراءات سلامة لا تستدعي بالضرورة اللجوء إلى نظريّات مؤامراتيّة يبقى أنّ سلامة تاجر فعليّاً بجوع اللبنانيّين من خلال هذه الخطوات الحكومة التي فشلت في تعيين نوّاب للحاكم ويبقى مفتاح المعالجة الوحيد للشارع المنتفض استرجاع السلطة نفسها

تفكيك حزّورة رياض سلامة

لم يحدّد التعميم كيفيّة احتساب سعر السوق هذا، أو آليّات العرض والطلب التي ستتحكّم به ستبيع الدولار المحلّي، أو الدولار اللبناني، وليس الدولار النقدي الفعلي ليس تشكيل هذا السوق الرديف سوى المقدّمة الطبيعيّة لتحرير سعر الصرف