سليماني في ساحة الثورة

بدأت السنة بتصعيد أمني أخذ شكل استدعاءات قانونية لعدد من الناشطات والناشطين، تخلّلتها شائعات عن تشكيل حكومة مواجهة يترأسها البروفيسور المستقل. وفي موازاة هذا التصعيد، تفاقمت الأزمة الاقتصادية، وبدأت المواجهة مع المصارف تتصاعد وتأخذ منحىً عنيفاً بعدما طفح كيل بعض المودعين من عملية النهب التي يتعرضون لها يوميًا. بدأت إذاً سنة 2020 بالتصعيد إلى أن

جاء خبر مقتل «قائد فيلق القدس» في تنظيم الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني بصاروخ أميركي قرب مطار بغداد. الرجل لا يحتاج إلى تعريف، فقد يكون أشهر جنرال في المنطقة اليوم. حيكت من حوله أساطير حوّلته إلى أهم سلاح في الترسانة الإيرانية. فارتبط اسمه بالحرب العراقية وحرب تموز، كما كان من أبرز مهندسي قمع الثورة السورية، ومن ثم العراقية. وكما ذكرت بعض الصحف، كانت من آخر مهامه تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة التي يترأسها البروفيسور المستقل.

فجأة تجمّد كلّ شيء. بدت الثورة وصراعاتها وقمعها كجزيرة من الثبات في منطقة تتهيأ لتحوّلات ضخمة، وكأن المنطقة وحروبها عادت لتحجّم الثورة إلى خلاف بسيط بين مودعين صغار ومصارف تحتجز بعض أموالهم. انكبّ المحلّلون على الحدث وليس لديهم ما يقدّمونه غير تنبؤات بزلزال قادم غير محدّد المعالم، عنوانه الرد الإيراني. وتحوّل لبنان من ساحة ثورة إلى ساحة احتمال ردّ عسكري. فبعدما هدّدت الطوائف بابتلاع الثورة من «تحت»، جاءت الصراعات «الجيو-سياسية» لتهدّدها من «فوق».

حاولت الثورة بصعوبة حصر نفسها بحدودها «الوطنية» هربًا من هذين الخطرين، خطر التمزّق الداخلي وخطر الصراعات الإقليمية. فتمسّكت بهوية وطنية قيد الإنشاء، وإن كانت تنحاز أحيانًا إلى وطنية رثّة، رافضة اعتبار نفسها جزءا من أي «ربيع عربي» أو موجة اعتراض إقليمية. فعكس الموجة الأولى من الربيع العربي، لم يحاول أحد اعتبار الثورات القائمة في عدد من الدول العربية كجزء من عملية مترابطة أو متداخلة، مفضلين التمسّك بالخصوصيات الوطنية.

لكنّ المحاولة انتهت مع اغتيال العقل المدبّر للثورة المضادة في المنطقة. فما رفض أن يعترف به الثوار حفاظًا على خصوصية اعتقدوا أنّها ستحميهم، جاء اغتيال سليماني ليجبرهم بالاعتراف به. فإما من خلال هندسته للثورات المضادة في سورية والعراق ولبنان، أو من خلال تحويل تلك البلدان إلى ساحات لرد محتمل، بات مصير تلك البلدان وثوراتها مترابطاً ومتداخلاً. قد لا تكون هناك موجة ثورية واحدة، ولكن هناك ثورة مضادة واحدة.

واستباقًا لحملة التقديس القادمة من قبل ممانعي لبنان والرد «الحيادي» للثوار المتمسكين بخصوصية ثورتهم، لا بدّ من الاعتراف بأن النظام الذي نواجهه اليوم في لبنان بُني جزئياً على أشلاء الشعب السوري وحصار مدنه وتجويع شعبه. هذا النظام هندسه قاسم سليماني. فالحياد عن الصراعات قد يكون الموقف الحكيم في لحظة كهذه، ولكنّ ذلك لا ينفي أنّ نظرةً إلى سليماني من تحت ركام حلب قد تكون ضرورة أخلاقية.