طمس الجريمة

عندما يُعرَف مصدر الصوت، فلا قيمة بعد لصداه. وعندما يُعرَف أنّ الحملة التي تستغلّ حادثة المرفأ للهجوم على سلاح حزب الله مقرّها وزارة الحرب الصهيونية، فلا حاجة للتصويب على بعض المنابر اللبنانية التي كانت- قاصدة أو عن غير قصد- رجع صدى لتلك الغرفة.

مقدمّة نشرة أخبار تلفزيون المنار، 24/08/2020
استثمار. استغلال. توظيف. يكاد جناح السلطة الممانع، ودعامتها الأساسيّة، ألّا يذكر جريمة 4 آب الشاملة دون تلك الثلاثيّة. تدمير المدينة وقتل ناسها وفقدان العشرات وجرح وتشريد الآلاف… كلّ ذلك لا يرقى إلى مصاف الحدث. فالانفجار المهول الذي قورن عصفه بالقنابل النوويّة، والذي قد يبقى ملازماً لبيروت كما التصقت هيروشيما بالقنبلة النووية التي دمرّتها، يُترجَم في لغة الممانعين الماكرة إلى «حادثة المرفأ.» ولا تشكّل «الحادثة» إلّا خلفيّةً وسياقاً للحدث الحقيقي اليوم وهو… الهجوم على سلاح حزب الله وشيطنته والحرب النفسيّة عليه.

بدايةً، سعت السلطة إلى إعادة تدوير جريمتها من خلال تحويلها لمناسبة لفكّ الحصار الدولي عنها. تعاطت مع جريمتها كفرصة ذهبيّة وكنافذة إلى العالم. فرصة تستعيد من خلالها شرعيّةً ما من الخارج تعزّز بها مواقعها، ونافذة لفتح قنوات تفاوض معه. فانتشى الممانعون الذين يتماهون مع القوّة ويمجّدونها، بخلوة الدقائق الخمس للرئيس الفرنسي بالنائب محمد رعد.

في الأسبوع الثاني، اختفت الفرص وأطلّت المؤامرة، أداة السلطات الطيّعة الأزليّة للتزييف وتشريع القمع، المؤامرة التي أرادت إسقاط مؤسسات الدولة. فذهب أمين عام حزب الله إلى هجوم مضادّ يهدف إلى تعويم عهده من خلال بناء عالم موازٍ يمحو آثار الجريمة الشاملة. في ذلك العالم، انقلب النظام إلى دولة، والمسؤول عن جريمة شاملة إلى ضحيّة مؤامرة. ونادراً ما يمتلك الناس في العوالم الموازية التي دأب الأمين العام على نسجها منذ 17 تشرين، القدرة على الفعل السياسي المستقلّ. فهم إمّا أدوات عميلة لسفارات خارجيّة أو ضحايا مضلّلة يتمّ استغلال آلامها من قبل قوى سياسيّة تخدم مصالحها الخاصّة والأجندات الخارجيّة.

رسم لهم الأمين العام دورَيْن لا ثالث لهما: إمّا وكلاء المؤامرة أو وقودها. لكنّ المؤامرة أحبِطت وأحبِطت معها مشاريع جرّ البلاد نحو الحرب الأهليّة. فمن نجا من التفجير عليه أن يهنّئ نفسه أنّه في الحقيقة سلم من المؤامرة التي كانت تحاك ضدّ الدولة. ولم تكن جريمة 4 آب إلّا صاعقاً يعوَّل عليه للتفجير الحقيقي للبلاد.

بعد التقاط الفرص لفكّ الحصار عن العهد وإحباط المؤامرة على الدولة، يسعى الممانعون الآن إلى حرف الكلام عن الجريمة وتبعاتها المفترضة على النظام من خلال إعادة موضعتها كفرصة، ولكن لإسرائيل هذه المرّة، تستثمرها من أجل شنّ حملة على سلاح حزب الله وصواريخه بالتحديد.

بالإضافة إلى نقل الحدث الفعلي/ الجريمة من الصدارة إلى مجرّد خلفيّة يراد منها تفسير ما يراد رفعه اليوم إلى مصاف الحدث الأوّل، يحقّق ذلك الحرف عدّة أهداف أخرى. فيساهم بنقل حزب الله من ضفّة المسؤوليّة الجزئيّة عن الجريمة، كرُكن النظام الأساسي والسيّد الفعلي للعهد والمتكلّم الرئيسي باسمه، إلى ضفّة المواجهة مع إسرائيل ومقاومتها.

ففي استعادة التناقض الرئيسي مع العدوّ، والثنائيّات التي ترافق المعارك والحروب، راحة ما بعدها راحة لحزب الله. تتيح له تلك الاستعادة شقّ خطّ عسكري للتخوين السريع لكلّ من يرفع الصوت ضدّ سلاحه، خاصّة بعد تدمير العاصمة وصدور قرار المحكمة الدوليّة الخاصّة بلبنان بقضيّة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. فيستعيد ثنائيات الصوت والصدى، والعميل والمشغّل، والوكيل والأصيل، والحروب الداخليّة والخارجيّة. ويساهم كلّ ذلك أيضاً برفع معنويات جمهوره وشدّ عصبه وشرعنة غضبه الذي دعا الأمين العام إلى المحافظة عليه، لعلّه يحتاج إليه يوماً ما في حرب داخليّة تضع حدّاً لمحاولة جرّ لبنان لحرب الأهليّة.

الشحار

ما هو مؤرَّخ عن الكلمة هو أنّه في عاداتنا السابقة في المآتم، حين يموت شخص عزيز، يقوم الأقارب والأهل بوضع فحم أسود على وجوههم ليتشحّروا حزناً على الفقيد، وهذا هو أصل الكلمة الحقيقي

أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسان

أَدْركَ لا بل تذكَّر أنّه حيوان سياسي. وأنّ لا حياة له خارج السياسة. وتذكّر أيضاً النعيمَ الذي كان يعيش فيه سابقاً، حين لم تكن السياسة تهديداً مُستمرّاً بالفناء، فكان يقدر على نسيانها لبعض مِن الوقت: كان لديه آنذاك حيِّز خاصّ به، عالمه الحميم الذي لا تقتحمه السياسة