تعليق لجوء
منار شربجي

عن «اللاحضارة» والمقاومة الرديئة: أنقذونا من هذا الترند

3 آذار 2022

تحت شعار «اللاحضارة»:

صورٌ لنا ولمدننا، 
توثيقاتٌ لاعتداءات وحروب الإمبريالية الغربية علينا، 
ورسومٌ وملصقاتٌ وفلاتر وتي-شيرتات تفتخر بهذا الوصف. 

هذا ليس قلبًا لموازين القوى، بل ترسيخٌ لها.


أوّلاً،

هل نحاول عبر هذا الترند أن نبرهن أنّنا حضاريّون؟ ولمن نبرهن ذلك؟ لماذا كلُّ هذا الاحتفال؟ 

يُرسّخ تصنيف الحضارة واللاحضارة أيديولوجيةً استعمارية وظّفتها الأنظمة الغربية لتبرير غزو أراضينا ونهبها واحتلالها، عبر تصويرنا كشعوبٍ عنيفةٍ وبربريّةٍ ورجعية تتعطّش للتطهير والتحرير من أنفسها. لم ينتهِ هذا التوصيف وخطابه العنصري، ولم يصبح فصلاً سابقًا من التاريخ، ولم تختفِ هذه الأفكار بعد. 

لم نتخطَّ هذا الاستعمار، ولسنا في مرحلةٍ زمنيّة تمكّننا من محاربة الاستعمار الامبريالي عبر استخدام مصطلحاته وتعابيره وتصنيفاته. لا يمكننا أن نستعمل هذه العبارة بفخر لنقول للغربيّ خود، ونقول لمن يقتل اللاجئين على حدوده أوكي، نحن لا-حضاريّون


ثانيًا، 

تحوّلت هذه «المقاومة» إلى ترند على وسائل التواصل الاجتماعي. 

يتيح هذا الترند للمستخدمين «اللاحضاريّين» نشر صورهم تحت هذا الوصف، فيبتَلع مجددًا جميع محاولات تفنيد المنطق الاستعماري العنصري، وقلبها إلى موجةٍ لا يهمّها العنف ضدّ اللاجئين، ولا تعنيها الخيم التي تحرقها نيران الكره والحقد وتغرقها أمطار وثلوج الفصل العنصري وفرز ضحايا الحروب والناجين منها إلى مجمّعاتٍ بعيدةٍ عن المواطنين «الحضّر». 

فرّغ إذًا هذا الترند مسألة اللجوء من بعدها السياسي، فلم تتصدّر قصص اللاجئين ومعاناتهم هذه الهاشتاغات، ولم تكن مسألة اللجوء في الواجهة، بل تصدّرتها صور السيلفي التي تحتفل بالتصنيف الغربي اللاحضاري لنا. 


ثالثًا، 

أهذه هي المقاومة التي نريد؟ وهل أصبحت جهودنا تنسكب في ترندٍ عابر يتناسى بعد مرور أسبوعٍ على الأكثر أنَّ اللاجئين يُقتلون يوميًّا؟ ليس فقط على حدود الدول الغربية بل على أراضينا أيضًا، وفي كلِّ مرةٍ ينظر إليهم المواطنون بعيونٍ مشمئزّة، وفي كلِّ مرةٍ تُستعمل كلمة «سوري» أو «فلسطيني» كشتيمة، وفي كلِّ مرةٍ تحرمهم أنظمتنا من حقّ النجاة والوجود. 

بدا هذا الترند مقاومةً تجميلية، تقول للغرب انظروا إلينا، نحن بشر حلوين كمان. لا تتحدّى هذه المقاومة أنظمة الاستعمار، ولا تفنّد منطقها وتصنيفاتها. بالعكس تمامًا، استخدم هذا الترند مصطلحاتٍ استعمارية وعنصريّة في محاولةٍ لتجميل صورتنا، وكأنّ صورتنا أمام الغرب هي الأهم. تحوّلت هذه المقاومة من محاولةٍ لقلب موازين القوى ولمحاربة الفكر التمييزي واسترجاع بعضٍ من القوّة، إلى مقاومة فارغة، نقيّة، لا تهدّد الاستعمار، بل تكرّس تصنيفاته. 


وفي الختام، 

الأولوية اليوم ليست لبرهنة أنّنا «حضاريّون»، فهذا تصنيفٌ لا يمكننا استرجاعه بفخر، لأنَّ تاريخه وواقعه الحالي لا يسمح لنا بتجاهل العنف المستمرّ ضدّنا وضدّ لاجئينا. 

الأولوية اليوم إذًا هي للمقاومة بعيدًا عن الترند وبعيدًا عن تفريغ قضيّة اللجوء من بعدها السياسي. الأولوية، وخصوصًا الآن وسط ازدهار التصنيفات العنصرية، هي لتصحيح نزعاتنا العنصرية تجاه اللاجئين الذين نُقصيهم في مجتمعاتنا المحلّية، وللاستماع لأصوات اللاجئين بدلاً من دفنها بالصور الجميلة.

الأولوية اليوم هي لتحويل هذه المقاومة من حالةٍ عابرة وترندٍ فارغ ونشاطيّةٍ رديئة، إلى جهودٍ مستمرّة تبدأ من صلب مجتمعاتنا العنصرية وصولاً إلى مجتمعاتِ وأنظمة الاستعمار التي شرّبتنا هذه العنصريّة.