فلاش باك

أرسل لي صديق رسالة يقول فيها أردت الاطمئنان عليك، كيف حالك؟ وكيف لبنان؟
كتبت تلقائياً قبل السؤال أم بعده؟

يعود هذا الجواب الشهير لرفيق الحريري عندما سُئل عن حجم ثروته في مقابلة تلفزيونية. الحريري، بإجابته تلك، لم يكن يريد التنصّل من كشف مدى ثروته، بل استعمل «المزحة» ليقول شيئاً آخر وقتها، وهو أنّ ثروته في تطوّر وتنامٍ أسرع من أن يلتقطها سؤال.

لا أعرف لماذا استذكرتُ واستعرتُ جواب الحريري، لماذا عاد جوابه إلى ذهني… ربّما لأن الشبه، المعكوس، يكمن في سرعة التغيير والتدهور الصاروخيّ في الأحداث اليوميّة والانهيار الشامل الذي نعيشه. وهي وتيرة أسرع من زمن السؤال نفسه، وبالتالي من قدرتي على الإجابة عليه، أو على أي سؤال قد يبدو بسيطاً من نوع:

كيف حالك؟ وكيف لبنان؟

هذا الضياع في معيار القياس ونقطة الارتكاز للإجابة أو لتقدير الوضع،

قبل أزمة الدواء أو بعدها؟
قبل أزمة البنزين؟
قبل انفجار المرفأ؟
بعد انفجار عكار؟
قبل الدولار 1900، 6000، 10000، 20000 …

أزال بشكل من الأشكال آنيّة حاضرنا، وجعل منه ومضات سريعة لماضٍ قريب بالزمن وبعيد في آن. كأنّنا في دوامة زمنيّة لا نثبت فيها على أرضيّة، إلّا لنسقط في زمان آخر، له طبيعته الزمنية الخاصة، في نوع من الاسترجاع (flashback) اللامتناهي.

الفلاش باك في السينما والأدب (analepsis) هو تقنية سرد ترتكز على تقطيع التسلسل الزمني بأحداث سابقة الحدوث. هو غالبًا ما يكون في الافلام عبارة عن ذكريات تستحضرها الشخصيّة في وقت الذروة، وتبني قرارها اللاحق عليها على هوى الحالة النفسيّة التي تعيدها هذه الذكريات.

الحاضر

أب يدور من صيدليّة الى أخرى عبثاً يبحث عن دواء لحرارة ابنته المرتفعة،
سائق تاكسي أمضى الليلة على الطريق في انتظار البنزين لليوم التالي،
أمّ فقدت ابنها في انفجار المرفأ وهي تتلقى صفعة من رجل أمن شاب أمام منزل أحد السياسيين المعرقلين للتحقيق…

لحظة «فلاشباك»

يسترجع فيها الأب صوت ابنته الضاحك،
وسائق التاكسي عمره الذي أمضاه على طرقات لبنان،
والأمّ وجه ولدها وهو ينهي حلاقة ذقنه لأوّل مرّة…

العودة إلى الحاضر

نعود الى الأب الذي يبدأ بالصراخ في وجه الصيدلي ويحطّم الصيدليّة وكلّ ما فيها بغضب لم يشعر به من قبل،
والأمّ تمسك وجنتها المتورّمة وهي تتمنّى لضاربها بصوت مخنوق أن يعيدوه لأمّه قطعاً، لتضطرّ أن تدفنه مرّات عديدة، مثلما أعادوا ابنها لها أشلاء،
والسائق العجوز يحني رأسه تحت شمس آب الحارقة في بلد أمِل أن يشيخ فيه بكرامة، ثمّ يسلم الروح…

لكن في النهاية، يخرج السائق العجوز والأب في الصيدلية والأم في مواجهة البلطجة من لحظة الحاضر، ليتحوّلوا إلى ذاكرة، تنضمّ إلى خزان ذكرياتنا.

فالفلاش باك، سينمائيًا، لا يستخدَم لتفادي رتابة السرد الكرونولوجي فحسب، بل غالبًا ما يكون دلالة على اختلال في توازن العالم وبنيته الزمنية، ما يجعل الماضي ورواسبه جزءًا من حاضر معلّق.

في خضمّ انهيارنا، نعيش الزمان من خلال لحظات الفلاش باك هذه، نعيش الحاضر وكأنّه معلّق. فمع كلّ صدمة يوميّة، نستذكر فيها كيف كنّا نعيش قبل الانهيار، نتذكر اهتماماتنا وأحاديثنا، نتذكر عندما كان عندنا مستقبل. نتذكر، ومن ثم نغضب لنعود ونتأقلم ونكمل… وكأنّنا مستعجلون للوصول إلى اليوم التالي، للهروب من هذا الحاضر المنهار والمعلّق…

كيف حالك وكيف لبنان؟

الإجابة قبل السؤال ممكنة. أم بعده، فلا شيء مؤكّد.

مــــــلــــــف
سجلّ الانهيار

يحاول ملف «سجل الانهيار» أن يلتقط معالم ومعيش حالة انهيارنا الحالية. كل أسبوع، كلمة أو ممارسة أو مكان أو عادة أو فكرة، يتناولها كاتب أو كاتبة، لكي يـ/تصف تحوّلاتها أو التغييرات بمعانيها. على مدار الأسابيع والنصوص، نطمح إلى بناء أرشيف مفتوح أو قاموس متعدّد الأصوات لحالة الانهيار، علّنا نجد فيه بعضًا من الثبات في تشارك التجارب والمعاني. الدعوة مفتوحة للمساهة في هذا الملف، من خلال اختيار كلمة (قد تكون ممارسة أو إحساس أو عادة أو مكان…) ومحاولة وصف مآلاتها بعد أكثر من سنة من التحوّلات.


رسالة من عواطف، إليك

أنا يا صديقي، ككثر في هذه البقعة، يصيبني القلق… وعندما يسيطر: أضحك. هل كنت تعرف أنّنا نضحك قلقاً؟ وهل تعرف أن القلق بالنسبة لعواطفنا هو كرجال الأمن بالنسبة للمتظاهرين؟ ما أن تحاول عواطف التعبير عن حضورها، حتى يكشّر القلق عن أنيابه بابتسامة أو حتى بنوبة من الضحك، تختفي العواطف قسراً

استوَيْنا

تركها الحجر وحدها معهمصراخ جارتيتصارع للحصول على نفقةفقر الدمّ أنهكهاتحمد الله أنّها ترضع طفلتهاها قد ناهزت السبعين وتريد الثأرتدّخر ما يأتيها من دولارات