في هذا العنف وذاك

حان موعد ثنائية جديدة تقدّمها لنا الجمهورية الثانية.

فبعد استحضار ثنائيات البذاءة/ الأخلاق، والمُندس/ المتعلَّم، والحرب الأهلية/ السلم الأهلي، وقطع الطرقات/ حرية التنقُّل، صار وقت ثنائية السلمية/ العنف.

في الثنائيات السابقة، كان يجري دومًا الاستعانة بـ«السلمية» كمدخل لمساءلة لغة الاعتراض وموقعه ومآله وحركته. أدّى ذلك إلى تراجعات مرحلية من قبل المنتفضين باتجاه تهذيب اللغة، ونفض اليد من أناس بعينهم في الشارع، واستحضار الأمومة/ العائلات من مدخل ردّ اتهام الحرب، والتخفيف من قطع الطرقات.

احتمت الجمهورية بصورة الانتفاضة عن نفسها. حاولت نزع الصفة الشعبية عنها، وشغلت المنتفضين بتبرير خطواتهم، كي تهرب من مساءلتهم. وبين عبادة الخطوات الاعتراضية والتراجع نحو مواقف دفاعية، تمَّ تسييح الاعتراض صونًا لصورةٍ لم تستجلب له الكثير.

في المقابل، كانت صورة الجمهورية الثانية بيِّنة في عنفها على مدى أسابيع. فروع المصارف كانت مسرحًا للإذلال اليومي في محاولة لتطبيع عنفٍ جديد. وبعدما حجزت الجمهورية العيش والجسد، وصلت لصوصيّة الحجز على مدّخرات المودِعين وأمانهم الاقتصادي/ الاجتماعي. وكان الهدف هو ضمّ هذه المشاهد لباقي مشاهد السلم الأهلي، والإيحاء بأنّ قبول الحجز الجديد هو مساهمة المواطن في دعم دولته المأزومة.

كان التحذير من الحرب الأهلية حاضرًا، لأنَّ الحرب قدّمت معنىً ماديًا واحدًا للعنف، وكلّ ما دون ظهور هذا المعنى ليس لاعنفيًا وحسب، بل هو روتين العيش. فالجمهورية ترى أنَّ كل ما ينفلت خارج نظام عنفها اليوميّ المضبوط (=السلم) إن لم تُرِده، هو انزلاق نحو نظام العنف المنفلت السابق (=الحرب).

بمخيال العنف المنفلت السابق، تحكمُ الجمهورية الثانية. وعليه، كان مهمًّا استرداد معنى العنف منها، وإعادة توجيهه، من دون تقديسه. وهذا ما فعله المعترضون في عنفهم الذي استهدف واجهات المصارف وكاميرات المراقبة والباركميتير وديكورات المدينة المفرغة من أهلها.

ليس الحديث عن العنف بالإطلاق وبلا سياق وبنبرة باردة يُراد لها أن تكون حريصةً وأبويةً وعقلانيةً، إلا سوء فهم عميق لماهية العنف، ولأحوال المعترضين، وقد يكون استبطانًا لعنف الحرب، أو لصدمة العيش المهزوم في السلم الأهلي. وللمفارقة، فإنّ هذه المواقف ذات اللبوس العقلاني هي هي مواقف السلطات، وهي تحديدًا ما يستثير غضبًا ينعكس عنفًا لاحقًا.

لقد جمدت السلطة عندما فرَّغت السياسة من معناها، وتدهورت عندما لم تجد الحاجة لمجرّد الإيحاء بوجود مجال سياسي. لقد ظنَّت أنَّ المتوقَّع قد يُربِحها مشروعيةً، وتناست أنّ اتفاقات المشروعية محكومة بتقديمات نظام عيش لم تعُد قادرةً على تقديم أبسطها.

المضيّ في الانتفاضة بشكلٍ لا مُتوقَّع قارع سرديّة الجمهورية الأساسية عن عنف سابق مُنفلت، بالهجوم على عنفٍ حاليّ، وهو الذي أخرج سلطات هذه الجمهورية عن طورها، وجعلها تنحطّ من عنفها المطمور تجاه عنفها المشهَر. فلا سلطة تلجأ إلى عنف خارج الروتين إلا تلك التي تتحسّس بيان فقدان مشروعيّتها.

سيستمرّ انحطاط السلطة. وما الاجتماع الأمني الأخير إلا إعلانٌ باتخاذ قرار المجابهة الأمنية. العمل جارٍ على قدمٍ وساق (ومقدِّمات أخبار) لإضفاء المشروعية على هذا القرار. الكلام حول الشغب واحترام الملكيات العامة والخاصة والمشاغبين والمستجلَبين بالباصات والمجموعات التخريبية هو غيضٌ من فيضٍ سيواكبه الإعلام كما واكب سواه من الثنائيات المطلقة سابقًا. أما الهدف فواحد: احموا الجمهورية الثانية مهما كلّف الثمن، ولو تطلّب الأمر فقأ أعيُن المنتفضين، وخنقهم بالغاز، وسحلهم في الشوارع، وحجزهم في المخافر، واستدعاءهم لمكاتب التحقيق وقاعات المحاكم.

قد يصحّ ربّما التوقُّف عن التبرير، والمضيّ في اللامتوقَّع الذي نجحت الانتفاضة في تقديمه، والذي أخرج السلطات من عنفها الروتيني. فمادية الانتفاضة وصورتها هي ما تبحث عنه السلطات وتستهدفه فورًا، أكان قبضةً أو خيمةً أو ساحة. أمّا ما لا تتوقّعه السلطات، ذلك الآتي من خارج لغتها، فهو الذي يُنتِج الفرق البسيط بين نظام العنف المسمّى بالجمهورية الثانية، وهادِميه ممّن يطالبون بجمهورية ثالثة.

حكومة انتقاليّة بعد سقوط دياب

لكنّ حكومة البروفيسور لم تسقط وحدها، بل أسقطت معها مطلب الثورة بتشكيل حكومة «أخصائيين مستقلين» بات العنف هو الرابط الوحيد بين الثورة والسلطة. رابط أحبط محاولات السلطة للهروب من الأزمة

الثورة في دخولها المسجد

لقد علّمت الثورة الناس، إذاً، الاحتجاج والرفض ونبذ التحريض. علّمتهم الانتفاض لا على السلطة الزمنية وحسب، بل على السلطة الدينية أيضاً، خارج رمزيّتها وحساسيّتها