تعليق انتخابات 2022
خالد صاغيّة

لا تضعوا أسماءهم في الصناديق

5 أيار 2022

كانت الدنيا في صيف آب، لكنّ المدينةَ شعرت فجأةً بالبرد. قالوا إنّها الحرب، ولم تكن حرباً. كانوا أصناماً مِن حَجَرٍ وجَبَروت، وكان البحرُ هادئاً حين أمطروا المدينةَ بالزجاج.


زجاجٌ تحت أقدام المارّة. فوق الزفت، وداخل الأحذية. زجاجٌ تحت الأسنان. زجاجٌ بطَعم الزجاج. زجاجٌ في لُعَب الأطفال. في غرف نومهم. زجاجٌ تحت التلفزيون. زجاجٌ أمام مداخل المباني. المباني التي بلا أبواب. زجاجٌ على البلكون. زجاجٌ على الشجر. زجاجٌ داخل التفّاح. زجاجٌ في القلب. في تلك البقعة المتبقّية من القلب. زجاجٌ تحت الشراشف. زجاجٌ في ماء الحنفيّة. يسيل وحيداً بلا ماء. زجاجٌ في الكؤوس والأسرار. زجاجٌ بين شفرات المكيّف. زجاجٌ في دعسة البنزين. زجاجٌ على الأرصفة. زجاجٌ داخل الجرح. زجاجٌ فوق الصواني. زجاجٌ بين السطور. زجاجٌ في كُتل الغبار. زجاجٌ تحت الطراريح. زجاجٌ في الموسيقى. زجاجٌ في الموسيقى حين تصيب العظام. زجاجٌ داخل الأكياس. أكياس الأرزّ والسكّر. أكياس الأشلاء التي تبحث عن أجسادها. زجاجٌ داخل أرقام التوابيت. زجاجٌ حيث ترسو السفن. زجاجٌ في العمامات. زجاجٌ في مصانع الزجاج. زجاجٌ في الفانات. على مقاعد الركاب. زجاجٌ في البراميل. البراميل التي تقتل. زجاجٌ في بيوتٍ من زجاج. زجاجٌ في أسرّة المستشفيات. فوق أيدي الممرّضات. زجاجٌ في القطن والشاش. زجاجٌ في المصل. زجاجٌ في الأنابيب. زجاجٌ في الأمعاء. هناك حيث تنتهي كلّ أنواع الحبوب. زجاجٌ في الرأس. بين الشَّعر والشَّعر. داخل النخاع. حيث لا يدخل الصابون. زجاجٌ في الصابون. زجاجٌ في علب المانيكور. زجاجٌ بين الأصابع. زجاجٌ في قاعات التدريس. زجاجٌ في الكتب. على الأغلفة. زجاجٌ في علب الحديد حيث يخبّئ الناس ما عندهم. زجاجٌ في اللقاحات. زجاجٌ في الأوبئة. زجاجٌ في الطحين. زجاجٌ في العيون. زجاجٌ في ضوء العيون. الضوء أزرق، وثلجٌ لا يشبه الثلج، ودموعٌ تسيل من أعيُن الراقصين. لم يلتقط الدمعَ أحد.


كانت الدنيا في صيف آب، لكنّ المدينةَ شعرت فجأةً بالبرد. قالوا إنّها الحرب، ولم تكن حرباً. كانوا أصناماً مِن حَجَرٍ وجَبَروت، تقف خلفَهم صورُهم. صُوَرٌ لأصنامٍ من حجرٍ وجَبَروت. منهم مَن وعدَ بالربيع، ومنهم مَن وعدَ بالقدس. وكان البحرُ شاهداً حين أمطروا المدينةَ بالزجاج. لا تٌكذِّبوا البحر. لا تكتبوا أسماءهم على الورق. لا تضعوها في الصناديق.