متى تُهبَّط جدران المنزل؟

بين أوراق أرشيف الأمير فريد شهاب يوجد تقريرٌ من السلطات اللبنانية عام 1949 عن إميلي فارس ابراهيم، يصف إهمالها لأولادها وعدم حرصها على مسؤولياتها الأمومية. كانت يومها إميلي تخوض معركة سياسية مع زملائها في الحركة النسائية اللبنانية للحصول على حق المرأة في الانتخاب.

بعد أكثر من نصف قرن، عادت المسؤوليات الأمومية، ولكن من باب قرار وزاري هذه المرّة.

في 22 تشرين الثاني 2019 أصدر وزير التربية والتعليم أكرم شهيب تعميماً موجّهًا إلى جميع المسؤولين عن الوحدات الإدارية وعن الثانويات والمدارس الرسمية والمعاهد والمدارس التقنية والمهنية والرسمية، طلب فيه إبلاغ الموظفات المتزوّجات من أفراد الهيئة التعليمية والموظفين الإداريين أنه بات يمكن لمن يرغب منهنّ طلب إنهاء الخدمة بسبب الزواج. ويستند هذا التعميم إلى رأي مجلس الخدمة المدنية بإعطاء المرأة المتزوجة هذا الحق، وذلك للمحافظة على الروابط العائلية وتبعاً للدور والمسؤوليات التي تترتب عليها تجاه أسرتها.

تفاعلت صفحات التواصل الاجتماعي مع هذا الخبر، وأصدرت المجموعات النسوية استنكارات لهذا المنطق الذكوري القاتل الذي يحدّد أولوية انتماء المرأة إلى المنزل. فالروابط العائلية، وفقاً لهذا المنطق، هي مسؤولية المرأة، والأم تحديداً. وهذا هو المنطق نفسه الذي حُكمت بسببه إميلي فارس ابراهيم، وهو جزء من اتجاه تاريخي ونمطي محدّد للنظام الأبوي.

يبدو التشديد على «المنزل» باعتباره المكان «الطبيعي» الذي تنتمي إليه المرأة ردّ فعل أساسياً ومتكرّراً عبر التاريخ على واقعة ظهور المرأة ووجودها في الأماكن والفضاءات العامة، لا سيما حضورها في الشارع.
فعند إنشاء دولة لبنان الكبير في عام 1920، بدأت الحركات والمنظمات النسائية في الانتشار والتحوّل من جمعيات خيرية اقتصرت على نشاط المرأة بالمجال الاجتماعي إلى منظمات نسائية سياسية طالبت بحقوق سياسية للمرأة. ظهرت حينها حملة مدبّرة من قبل القوى الاستعمارية والدولة اللبنانية والنخب السياسية والاجتماعية ورجال الدين لاستعادة الفضاء العام كمكان ذكوري، وإعادة حصر النساء في المجال الخاص، تحديدًا بين جدران المنزل.

فالنظام الذكوري يرتكز على عدة ثنائيات من أبرزها خيار المرأة بين المنزل والعمل خارجه، وبين مسؤولياتها العائلية ومسؤولياتها المهنية والاجتماعية والسياسية، وبين أن تكون أمّاً وزوجة صالحة أو مواطنة. والأمومة هي إطار أساسي من أطر هذا النظام الرجعي، وإن كانت الأمومة ليست محصورة به.

نجحت تلك الحملة بإقصاء المطالب السياسية للمرأة اللبنانية، وإلى تبنّي معظم الحركات النسائية فكرة «الأمومة الوطنية» كشرط لمواطنة المرأة. ثمّ رأينا حملةً مماثلة من قبل المجتمع والسلطات الدينية لإعادة المرأة إلى الإطار الخاص بعد نجاح المرأة اللبنانية بانتزاع حق الانتخاب والترشّح في عام 1952، ومع تزايد الصراع السياسي اللبناني في خضم الحرب الباردة. وليس من المستغرب أن يكون تعميم الوزير شهيب قد استند قانونياً إلى قرار صدر عام 1982 يعطي للموظفة المتزوجة في السلك التعليمي الحق في تقديم طلب إنهاء الخدمة بسبب الزواج.

علينا النظر إلى تعميم الوزير شهيب في إطار هذا الاتجاه الرجعي الذي يتكرّر تاريخياً عند كل أزمة سياسية في لبنان. ولكن الخطر في هذا الموقف الرجعي أنه لا يصدر فقط عن الجانب المحافظ أو المضاد للثورة، بل يتشارك فيه جميع الأطراف، بما في ذلك الثورة نفسها، وإن على مستويات مختلفة.

فقد كانت إحدى اللحظات المؤثّرة في هذه الثورة المسيرات التي نظّمتها الأمّهات في أحياء عين الرمانه/ الشياح والتباريس/ الخندق. كانت كلتا المسيرتين مظهراً مذهلاً لنداءات السلام التي طالبت بها أولئك النساء باسم الأمومة. ولكن بالرغم من استثنائية هذه اللحظة الثورية، فقد استثنى هذا التأطير النساء اللواتي لسن أمّهات، أو اللواتي لسن أمّهات بالشكل التقليدي للمفهوم، واللواتي هنّ أوسع من حصرهنّ بهذا الدور البيولوجي والاجتماعي.

جميل الاحتفال بالأمومة، لكن هذه الثورة هي أيضاً ثورة نساء، وبالأحرى ثورة ناس كسرت وتكسر كل يوم الأدوار والهويات التقليدية، ومعها تهبّط حيطان المنازل والسجون الذكورية.

مسلخ الثورة

الزيارات الغامضة لا يمثّلون الثورة وإنما حزبهم واستُبيحت المحامية التي تدافع عنّا وجّهها وفدٌ تحت سقف «الوطنية» شربل نحاس الكلمتين الغامضتين الذبح سيطال كلّ من ارتكب غلطة أدبيات التخوين وليس المشانق حقّنا بالأمان في الثورة

لبّيتُم النداء

عتاب أبوي في شي ثورة ما عندها ليدر؟ صدى صوت إميل لحود لطبيعة النظام التوافقي العودة إلى بيوتهم حمّل الثوار مسؤولية نادت الثورة شعب لبنان العظيم