يوميات كويريّة
جود حسن

مساحة آمنة طولها متران وعرضها متر

15 تموز 2022

«جريمة أخرى»

الليل في أوّله، ما زلنا قادرين على رؤية المدينة. لحظات قليلة تفصلنا عن غرق الشارع بالسواد. الأبنية بمعظمها بلا كهرباء، كما لو أنها تحوّلت مع رحيل ضوء النهار إلى أبنية مهجورة، لا حياة فيها، ولا صوت. بضع شقق فقط، تبصر من نوافذها خجل الضوء المنبعث منها.

يمتاز سكّان المدينة، أي بيروت، بالقدرة على التأقلم السريع والثقيل، مع انقطاع الكهرباء، وغلاء المواد الغذائية، وارتفاع أسعار تأجير المنازل، وسرقة أموال الناس، وانهيار كل ما حولهم. أظن أنه من الممكن القول إن سكان لبنان يملكون قدرة خارقة على العيش. هي ميزة احترفوها بشكلٍ لا إرادي ربّما بعد سلسلة من الصدمات والحروب، ولا سيما بعد انفجار 4 آب، مع ما رافقه من احتمال الموت المفاجئ، وصدفة البقاء قيد الحياة، وزوال الأمان في المدينة، في الحي كما في المنزل، وكذلك في الذات نفسها.

لطالما رأينا أنه مع انعدام المحاسبة والعدالة، وتعاظم قوى السلطة أمام قدرة الإنسان على المقاومة، تنهار المجتمعات وتطغى غريزة النجاة البشرية على حساب أمور أخرى. حينها يبحث المواطن/ـة المقهور عمّن يحمّله العدوانية المتراكمة داخله، عن الأضعف الذي يمكن لومه وتفريغ شحنات الغضب فيه وتعليق الفشل والعجز عليه. وغالباً ما تكون النساء وأفراد مجتمع الميم-عين من يُفرض على كيانهم القسط الأوفر من الاستلاب النفسي والاقتصادي والجنسي والاجتماعي.

ظننا أن 2020، أي العام الذي خسر معظم قاطني لبنان بمختلف شرائحهم مساحة الأمان الخاصة بهم، ومن بينهم مجتمع ميم-عين، هي الأفظع. لم نستند إلى مشاهداتنا وحسب، بل طالعتنا أبحاث بذلك. مثلاً، حذرت منظمة أوكسفام من أن مجتمع المثليين/ات في لبنان يواجه تحديات هائلة، إذ حرمته الأزمة الاقتصادية وجائحة كوفيد وانفجار مرفأ بيروت صيف 2020، مساحاته «الآمنة» ومصادر دخله، على حد وصفها. 

لكن مَن كان يتوقع أن يكون عام 2022 استكمالاً لمسلسل رعب طويل في بلادنا العربية بعنوان «جريمة أخرى»، لا بل مسلسل مرعب بحد ذاته. وهذه «الجريمة الأخرى» بالتحديد، يشترك في تنفيذها اليوم كل من السلطة والمواطن/ـة المقهور منها. تحمل كل حلقة من هذا المسلسل سلسلة من الأحداث التي تنتهي بوقوع جريمة واستتباعها بجريمة أخرى تنسينا الجريمة السابقة. والجرائم هذه غالباً ما يكون ضحاياها من الغالبية المهمشة، أي تلك التي نراها في سعيٍ مستمر للحصول على حقوقها الأساسية ومساحاتها الآمنة، أي المساحات التي لن تُقتَل أو تُنتهك فيها. 


جثامين مطعونة

خارج حرم الجامعة، ترى فتاة مستلقية على الأرض، شعرها الأسود يغطي جزءاً من الرصيف. تلحظ بوضوح حركة يد الرجل وهو يخرج السكين من جسدها بعد طعنها به. جسدها ساكن لا حركة فيه. فعل الطعن حدث بسرعة، لكن انسحاب السكين من نيرة أشرف، طالبة جامعة المنصورة، بدا بطيئاً جداً لنا، نحن المسمّرون أمام شاشاتنا. 

بعد أيام قليلة فقط، كما لو أن المجرم هو ذاته، سقطت الطالبة الأردنية إيمان إرشيد على الأرض بعد إطلاق الرصاص عليها داخل حرم جامعتها. لم يتوقف القاتل عند هاتين الجريمتين، ففي الشارقة قُتلت الشابة لبنى منصور على يد زوجها بـ16 طعنة قبل أيام من كسبها قضية الطلاق من قاتلها، بينما انتشر في الوقت ذاته خبر مقتل الشابة الفلسطينية رنين سلعوس لأسباب قيل إنها مجهولة.

كل ما حولنا يخلق حالات من القلق والتوتر والخوف، وجلّ ما نفعله تجاه تلك المشاعر هو أن نكفها الواحدة تلو الأخرى. لكن ما يحدث بعد ذلك، في الحقيقة، لا يعالجها أو يزيلها، بل يثيرها مجدداً بأشكال مختلفة، ولا يلغي المسبب لها أو يحاسبه. فتُنتِج عند استرجاعها خوفاً أكبر، وقلقاً أعظم، في انتظار وقوع جريمة أخرى. وبالفعل هذا ما يحدث. وهذا ما حدث. 

فقد وقعت الجريمة الخامسة في أقل من أسبوعين، حيث قتل مستشار ونائب رئيس مجلس الدولة المصرية أيمن حجاج زوجته الإعلامية شيماء جمال بثلاث ضربات على الرأس ومن ثم خنقها حتى فارقت الحياة ودفنها، ليأتي من بعدها على الفور الخبر السادس عن جريمة أخرى: اغتصاب فاطمة فؤاد في لبنان، هي التي روت عبر صفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي تفاصيل تعرضها لاغتصاب وانتهاكات عدّة خلال حفل موسيقي بمناسبة رأس السنة 2019/ 2020. تلك الجريمة التي حاول بعضهم تغطيتها، لتنشر بعدها الموسيقية آية متولي، المتهمة بالاعتداء على فاطمة، شهادة اغتصابها أيضاً، من قبل  الشخص ذاته، وفي الفجر نفسه. هو فرط الموت ما نعيشه اليوم.


نحن نواجه جنود الرب

بموازاة المشاهد الدموية أعلاه، كان عدد من الرجال في حي الأشرفية في مدينة بيروت واقفاً تحت لوحة إعلانية مغطاة بألوان قوس قزح، مصنوعة من الزهور. سرعان ما هبّوا، هم الذين يسمّون أنفسهم «جنود الرب»، لتدمير اللوحة، فيما كانوا يصرخون 

نحن قلنالن قانون للشيطان بالأشرفية ما في، أوعى تجربوا تقربوا على الأشرفية، أو على أي نقطة بأرض الرب 

هذه خطية مميتة بالجسد وبالروح مميتة.

حملات التحريض ونشر الكراهية ضد مجتمع الميم-عين في لبنان بهدف ترهيبه وقمع كل النشاطات والاحتفالات التي كانت ستنظّم خلال شهر حزيران، انطلقت في الفترة الأخيرة بمباركة السلطات الدينية وإيعاز منها. حملات الكراهية تلك دعمتها الدولة أيضاً، بشخص وزير الداخلية اللبناني بسام مولوي الذي كان قد أصدر بياناً منع فيه أنشطة مجتمع الميم-عين.

في هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى إنّها من المرّات القليلة التي يصطفّ فيها المسلمون والمسيحيون معاً. غير أنها ليست المرة الأولى التي يتوحّدون فيها ضد حق المثليين/ات في الوجود الآمن بالتحديد. فجأة في لبنان يستحيل الدين عنصر لُحمة، وحاصداً للتوافق الاجتماعي. وإن اعتبر بعضٌ منّا أنّ هذه التهديدات ليست سوى ردة فعل غوغائية، إلا أنها في الحقيقة تترصدنا جميعاً، وتحاصرنا بشكل لا فكاك منه.

ارتأى إذاً أصحاب السلطة السياسية والدينية أن عليهم، وبغية الاستمرار في تسلطهم في ظل فشلهم السياسي والاقتصادي غير المسبوق، أن يجعلوا من عدوانيتهم تجاه المثليين/ات والأشخاص غير المعياريّين، مثلي ومثل كثر، نقطةَ التقاء مع بعض فئات الشعب الذي يقهرونه، وذلك عبر إيهام هذه الفئات بأن القضاء على «الأعداء» سيضع حداً لآلامهم وبؤسهم اليومي.

في أسبوع الكراهية ضدنا، بدا أن حقيقتنا كبشر صارت محط تشكيك من قبل «جنود الرب»، فتحوّلنا إلى أسطورة تُبرِّرُ تصرفاتها أو خصائصها أو حتى وجودها ارتكاب الاعتداءات والانتهاكات بحقها، لنصبح نحن في نظر حلف الكراهية خطراً يجب القضاء عليه، وليصبح القتل في نظر القاتل أمراً طبيعياً تفرضه الظروف والعقائد، بمباركة دينية وسياسية.


أختك؟

في أسبوع الكراهية ضدنا، أنهي هذه الجردة بتجربة نجحت فيها بتجاوز الكراهية الموجّهة ضد مَن هم مثلي، غير متماهين مع السائد. دخلتُ إلى محل الصرافة، حدّق في وجهي الصرّاف مطولاً، شعرتُ بتشنج طفيف في عضلات جسدي. سألني الصراف، أعرف فتاةً تشبهك، كانت تعيش في الحي، ما شفتا من سنتين، أختك؟ ثم ارتخى جسدي، وسحبتُ يدي من جيبة بنطالي ومددتُ يدي لأعطيه المبلغ الذي أريد تصريفه، وبابتسامة أجبته إي أختي كانت ساكنة هون بس سافرت على ألمانيا. نظر إلى الرجل بجانبه بتشبهوا بعض كتير صح؟. سحبت المبلغ من يده وخرجت.

بعد لحظات، طلبتُ سيارة أجرة من مكتب تكسي، وعندما وصلت إلى مقصدي، التفت السائق نحوي، عادت عضلات جسدي إلى وضعية التشنج، وسمعته يقول في صبية كنت جيبا لهون، بس صرلي شي سنتين ما شفتا، قرايبتك؟. ارتخى جسدي مرة أخرى. أجبته إي اختي كانت ساكنة هون. قفزتُ من السيارة، اتجهت بسرعة داخل المنزل، أي مساحة الأمان الخاصة بي، وتركت الصرّاف والسائق و«أختي» ورائي. 

تلك المساحة التي يقال إنها المكان الذي يشعر فيه الإنسان بالأمان الجسدي والعاطفي، هي هنا تعني غياب العنف أو الخوف منه وغياب سوء المعاملة إزاء المختلف. تلك المساحة الآمنة هي حيث نتوقع أن نجد الدعم ونمنع الضرر بعضنا عن بعض ونجتمع لنواجه سويةً أدوات القمع المسلطة على رقابنا.

لكن حقّاً، كيف لنا أن نجد المساحة الآمنة تلك في بلاد غير آمنة؟

يجيبني صديق عن سؤالي له حول معنى المساحة الآمنة بالنسبة إليه، هو الذي هُجّر من بلاد اللا-أمان: المساحة الآمنة طولها مترين وعرضها متر، بتجي عادةً بعد الوفاة.

آخر الأخبار

مراجعة

مسلسل فوضى

سارا أبو الرب
جلسة مع علاء ميناوي
04-02-2023
حديث
جلسة مع علاء ميناوي
هويّةٌ تتحلّل وأمكنة تختفي
 إجوا وراحوا 
إضراب سائقي «توترز»
عامان على اغتيال لقمان سليم
رحيل ليندا مطر (1925 - 2023)