نقد نصدّق الناجيات
رشا عزب

تفاصيلُ معركة لنساء هذا الجيل 

كيف شقّ المُخرج المُغتصب بطن التقدميّين المصريّين

8 أيلول 2022

كانت القاعة متوسّطة المساحة، المنصة صغيرة، مُزدحمة بالرجال من كل درجة، الهيئة المُوَقّرة تتكوّن من أربعة قضاة، عضوَي النيابة، أربعة رجال من المساعدين، حاجب المحكمة والسُعاة وسكرتارية القضاة، وجسد سيّدة وَحيدة تُحاكم أمامهم بتهمة سبّ الرجل الواقف بجِوارنا، والمنشور بحقّه ستّ شهادات تحرّش واغتصاب

سيّدة منكوشة الشعر، ترتدي الأخضر الفاقع، لا ينطبق عليها مواصفات «الضحية المثالية» التي يمكن أن تحصل على تعاطف منصّات القانون في بلادنا!

انزعج القاضي من وقوف هيئة دفاعي خلفي (مؤلّفة من أربعة محامين وأربع محاميات)، فطلب منهم جلوسهم جميعاً، إلّا من سيتحدّث أمامه. قرّر القاضي الحديث معي مباشرةً، محاولاً تجاهل المحامي الوحيد الباقي بجواري. قاطَع طلبات المُحامي، بعَينٍ مصوّبة ناحيَتي مباشرةً، وأراد التحدّث معي من خارج الاستجواب، وقُبيل بدء الجلسة والمرافعات وحديث الشهود الذين رفض حضورهم، قال كلمته المأثورة: عايزة أقولك حاجة ليكي: لو الناس عملت حاجة وحشة، نشتمها؟.


تأديب الحقيقة

أحالني المشهد ليومٍ اجتمعت فيه إدارة المدرسة الإعدادية بكامل هيئتها في الطابور الصباحي لتوقيع فصلي من المدرسة مدّة أسبوع، وقالوا في ما يُشبه النطق بالحكم: أصدرت إدارة المدرسة قراراً بإجماع الآراء على الطالبة (…) لتطاولها على أحد المدرّسين، الذي وقف مزهوّاً يُمسك عصاه ويلوّح للطابور. كنّا جميعاً نعلم أنّه مُدرّس متحرّش، فاشل وعنيف! غضبَ بعض فتيات المدرسة ولم يُصعّد الجميع. أصرّ بعض الطلّاب على احتضاني والسلام قبل خروجي من باب المدرسة، فيما صعدت البقيّة لقاعات التدريس في نظامٍ ينتصر للأدب. أدبُ المتحرّشين والمغتصبين. 

تسلل عدد من صديقاتي بعد انتهاء الطابور، حظينا بفسحةٍ لم أنسَها، تحوّل أسبوع الفصل من المدرسة إلى أسبوعٍ من المرح والشغب، خرجنا من السور للشوارع وكانت المرة الأولى. 

تعود تلك اللقطة إليّ وأنا في نهاية عقدي الرابع، الدولة تُريد إعادة تربيتي من جديد، وليست الدولة وحدها، بل قبلها مجتمع اليسار والفنّانين وبعض الأصدقاء لأنّني تجرّأتُ على فضح رجلٍ منهم، وهي لحظة نادرة  تلاقت فيها مصالح الدولة ومُعارضتها، فقط فوق أجسادنا. 

تماهى كيان المُخرِج المُغتصب فى كيان الدولة، انسلخ وصار قطعةً من المنصّة، كلّهم على قلب رجلٍ واحد. لأن الأدب فضّلوه على الحقيقة، ولأنّ الشتيمة أشدّ وطأةً من الاغتصاب! 

من داخل قاعة المحكمة، الصحافية رشا عزب وبجانبها المُتَّهم إسلام العزازي

«بتاع نسوان»

انفجرت قصص المُخرج إسلام العزازي فى الفضاء النسوي قبل إعلانها على الإنترنت بشهور. قصصٌ عن استغلاله للفنانات الشابات بحكم موقعه المهني كمخرجٍ ومدرّبٍ وعرّابٍ لبعض الفنّانين الواعدين، ينتمي لـ«مجموعة السكندرية» من جيل التسعينات، يتمركز فى موضعه بفضل علاقاته التاريخية برفاقه في المواقع الثقافية والسياسية المنفتحة والتقدمية والتي تقدّم نموذجاً للفن المستقل. كانت هذه هي المساحة التي نمت فيها قدرات المخرج الموسوم بالإبداع، وحتّى قبل أن يقدّم تجربةً شبه كاملة، حصل على مباركة رجال الصنعة. دعمَ صديقاته لإنتاج أفلامه، حصل على منحٍ إبداعية لإكمال فيلمه الأوّل خلال عشرة أعوام، وعاش على نتفاً من الأموال كما سبق أن قال– لكن من خلال هذه النتف استطاع أن يوكّل ثلاثة محامين من السوق في قضيّةٍ واحدة، بالإضافة إلى قضية جديدة رفعها ضد الصديقة العزيزة سلمى الطرزي! 

كان إسلام صديقاً مقرّباً لواحدٍ من أعز أصدقائي، وظروف مرض صديقنا المشترك جمعتنا، وبعد فترةٍ من الوقت تكوّن لدينا انطباعٌ بأنّه شخصٌ غير مريح؛ وهذا أمرٌ تفهمه كل ستّ تضع يدها في كف رجلٍ ثم تنظر إلى عينه، ولن يحتاج الأمر إلى دليلٍ مادي يصلح في المحاكم.

ظهرت على نطاقٍ ضيّقٍ أولى الشهادات من فتيات، وكانت تدور حول التلاعب أثناء بروفات الكاستينغ، وأنّه خلال فترة التحضير للفيلم، على الأقل خلال الخمسة أعوام الأخيرة من إنتاجه، كان المخرج يستقبل عشرات الفتيات والسيّدات لعمل الأدوار النسائية فى فيلمه «عنها». كان يقترح على الجميع حولنا، وكنّا ببلاهة نعرض على الممثّلات الصديقات هذه الفرصة، وحين علمنا عن أوّل الشهادات، تخيّلنا حجم السيّدات اللواتي مررنَ بهذه التجربة. لم نعرف أكثر من كونه متحرّشاً لزجاً، يحوّل كل حديث عادي إلى حديثٍ جنسيٍ فى ثوانٍ، ويَدخل بالمرأة إلى منطقةِ حصارٍ ومطاردة.

ذهبنا لنسأل الأصدقاء المشتركين عنه، جاءت الردود متراوحةً بين «بتاع نسوان» و «حكّاك»، وهي كلمة عامية بليغة في وصف المُلاحقات الذكورية اللزجة. لكن لم يكن يجول في ذهني مطلقاً أنّ هذه العبارات سوف تأخذنا لأبعد من ذلك. أخيراً، تُرجِمَ شعورنا الجماعي بعدم الراحة، وظلَّ الأمر معروفاً في إطار بعض الأوساط النسائية المحدودة، حتّى اقترب موعد الدورة الـ42 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ووصلت لي معلومات كما وصلت لآخريات، مفادها أنّ هناك ضحية لإسلام العزازي أرادت نشر شهادتها منذ فترة ولم تستطع المواجهة بعد، ثم جاءت الدعاية عن فيلمه «عنها» الذي يحبّ المُخرجُ تصنيفه كفيلمٍ نسويٍ. رأت الضحية أنَّ تعميده مُخرجاً نسوياً هو أكبر جريمة جديدة تُضاف إلى سلسلة التواطؤات الاجتماعية لبقاء هذه الظاهرة، فقرَّرَت نشر الشهادة ليلة عرض الفيلم فى مهرجان القاهرة، وعندما بدأتُ قراءتها فُجعتُ مثل أخريات، لم أتوقّع كل هذه الانتهاكات المرعبة المتتالية، كان حجم خيالي يقف عند حدود اللزوجة والمطاردة.

كانت الشهادة الأولى عملية اغتصاب متكاملة. خلال ساعات ظهرت الشهادة الثانية، لم تقلّ فداحةً، ثم توالت الشهادات من فتيات عديدات، كتداعياتٍ للرعب الناجم عن الشهادة الأولى والثانية. حينها شعرت بغدرٍ واسع، بعرض سنوات عمر هذا الرجل، الذي تمدّد فى كل الأوساط وجاب أغلب دوائر الصديقات، شعرتُ بالغدر من رفقةٍ واسعة كان ترى بكلّ شكٍّ هذه الممارسات على مدار سنوات وصمتت، حتى استحفل الأمر ووصل إلى بنات جيلنا والجيل الأصغر سنّاً. تذكّرت على الفور كلماتهم «بتاع نسوان» وأدركتُ أنّها كلمات موروثة مبطّنة بالتسامح والغفران لما يُعَد هفوةً، لا ترقى لحدود الجريمة المُنظمة، ولكننا أدركنا أيضاً، أنّها كلمات مخادعات، ما يعتقده مجتمعنا المنفتح أو المحافظ أنّه «بتاع نسوان» تبيّن أنّه ستارٌ لطريقة إجرامية فى الملاحقة والإيقاع والاغتصاب واستغلال المواقع والنفوذ الاجتماعي المُكتسب لكونه مبدع له مواقف على يسار السلطة! 


عدالة المخبرين والحرامية وموت المواطن 

أن تكتشف متحرّشاً ومجرماً في دوائرك الخاصة، ماذا سنفعل، دخلنا جميعاً هذه التجربة وهذه بعض الوقائع. 

هزّت الوقائع المنشورة كل الدوائر، الكثير اختبأ في ثقوبه حتى تمر العاصفة، والقليل قرّر الاشتباك مع اللحظة، ودار صراعٌ بين دعوات لإلغاء عرض الفيلم وبين السماح بعرضه مع عدم حضور المخرج المنشور بحقّه كل هذه الشهادات. مالت الاتجاهات للرأي الأخير، وكنتُ من بينهم، فأنا ضدّ منع الأفلام في المطلق، والفيلم مشروع لعدد كبير من الصُنّاع ويستحقّون لحظةَ عرضه. لكنّ منتجة الفيلم والمُمَنتجة السيدة دينا فاروق، اعتبَرت أنّ كل الشهادات ما هي إلا مؤامرة على فيلمها الذي رُفضَ في أغلب مهرجانات العالم، ورُفض فى مهرجان القاهرة حتّى قبل نشر الشهادات، وقد أُعيدَ قبوله بعد ضغوط كبيرة من صنّاع الفيلم. توحّدت المُنتجة مع مُخرِجها، وأصرّت على حضوره، بل أصرت على التقاط صورة جماعية مع فريق العمل، موثّقةً لحظة إجبارها صانعات الفيلم على التصوّر مع المُخرج الذى كانت شهادات اغتصابه تدور في الأفق. رفضت فاروق كل النصائح الخاصّة بإنقاذ فيلمها بمعزل عن جرائم المخرج، وهذه كانت أولى المفارقات، أن تقف سيدة فى مواجهة نشر انتهاكات سيّدات، بل وتصرّ على دعم صديقها القديم، دون الوقوف لحظة مع طبيعة الاتهامات، دون أن تشعر للحظة أنّ عملها معه سهّل عمليات الاغتصاب والتحرّش التي مارسها خلال سنوات التحضير للفيلم، والتي كان يُجريها كلّها فى غرفته العلوية ببيته الخاص، رغم امتلاك شركة الإنتاج مبنى كامل في منطقة المهندسين ويمكن استخدامه لهذه البروفات، لكنّها بكل تأكيد، تعرف أكثر منّا!

يؤكد مهرجان القاهرة السينمائي على احترامه للمرأة، ورفض كل أشكال العنف ضدها، ومنها التحرش. وقد تابع المهرجان على مدار...

Posted by Cairo International Film Festival on Tuesday, December 8, 2020
بيان مهرجان القاهرة السينمائي 

ظلّ صراخ الفتيات والمُتضامنات معهنَّ مشتعلاً لأيام على الإنترنت بعد عرض الفيلم فى مواعيده في المهرجان. كنتُ من بين الذين نشروا شهادات الناجيات، وشعرت بمسؤولية خاصّة، لكوني أعرفه حتّى ولو لأشهرٍ معدودة، ولكوني ممّن ساعدوا في إيجاد ممثّلات للأدوار النسائية. حاولتُ إعلان موقفي بوضوح وطالبتُ الدائرة المُشتركة بنفس الفعل، حتّى يسهل حصار الأذى الذي يسببه انتشار العزازي وهذه الثقة الممنوحة له من قِبَلنا جميعاً، وهي جزء من المعضلة، لكنّ الصدمات لا تأتي منفردةً. 

من يتخيّل أنّنا خضنا هذه المعركة على الإنترنت فقط ولم تؤثر على شبكة علاقتنا الحقيقية فهو واهم، خسرنا رفقة وصديقات وحيوات، ولكل مواجهة أثمانها.


دفاع الوسط الثقافي عن مخرجه المغتصب

أمّا بعد، وقد انكشفت الجرائم أمام العلن، جاءت نُخبتك تعبّر عنّك يا إسلام و تؤسّس لشرعية ممارستك، لأنّنا اكتشفنا حينها أنّ بعض هذه الممارسات متّفق عليها ضمنياً في الأوساط التي تُعرّف نفسها كـ«تقدمية وتحرّرية»:

أن يحاول المخرج ممارسة الجنس مع أغلب الشابات اللواتي يَمرُرنَ عليه أثناء عمليات الكاستينغ؛
أن يمارس الاستحقاق على كل أجساد النساء الذين مروا عليه لكونه صانع أفلام؛
أن تُنشَر ستّ شهادات كاملة، بالإضافة إلى الشهادات التي لم تخرج إلى النور بعد؛
أن يعلم الوسط كله بهذه الشهادات، باعتبارها إرثاً لإسلام العزازي بين صُحبة معهد السينما ثم تيار الصناعة البديل، وأن يضعوها مثل طبق مقبلات للحكي على كل الموائد، باعتباره «راجل حكّاك، نعمله ايه؟!»؛

وعندما تُنشر الشهادات فعلياً، ويتكرّر نمطٌ واضح بداخلها، نمطٌ يفسّر أداء الصياد الدائم البحث عن فريسة، يتنكّر بعض مثقّفي هذا الزمان، ويُعلن المُخرج المُفضل لأغلب جيلنا الأستاذ داود عبد السيد بجلالة قدره: إعدموا [إسلام] دون محاكمة، منتقداً حملة الفضح، رافضاً ما يُساق، دون قراءة، دون إعمال عقل الفيلسوف الذى يشتهر به كمفكّر سينمائي، متجاهلاً الاتهامات المتكرّرة، باحثاً عن تنفيذ القانون بهذه القضية؛ يبحث المفكّر السينمائي عن قانون المخبر الذي حاربه فى كل أعماله المُلهمة، ويبرر قوانين الحرامي، ليعود المواطن بلا حقوق. يبحث عن عدالة «سيد مرزوق» التي تقدّمها ساحات المحاكم المصرية فى لحظتها الجلل هذه، يبحث عن تفسيرٍ عقلانيّ: كيف خرجت هذه الشهادات من أرض الخوف؟ لم يجد سبباً سوى المؤامرة على إبداع تلميذه النجيب. يذهب المثقّفون للتدفئة فى حضن الدولة الآمن من عزم النساء إن تحدّثن وصرخن، ويقاومونهنَّ في مكامن سلطتهم الإبداعية الذكورية المُستَمدَّة بالأساس من نظامٍ اجتماعي يدَّعون محاربته!

نجد الأستاذة الكاتبة الكبيرة كريمة كمال تنشر مقالاً فى «المصري اليوم» بعنوان «الاغتيال»، تناقش فيه أفكاراً من نوعية «كيف تذهب الفتاة إلى رجلٍ فى منزله وحيدة وتشرب وتسكر وتشكو من الاغتصاب؟!»، إذ تقول: 

خاصّة أن هذه الشهادات التى تضمنتها المدونة جاء فى شهادة إحداهن أنها قالت له أوكيه على طلبه أن يقبلها، وأخرى جلست معه تحتسى الخمر والمخدرات حتى فقدت الوعى وفوجئت عندما أفاقت أنه مارس معها الجنس.. أليست جلسة من هذا النوع تعني بالضرورة الرضاء؟ 

هل هذا كان عَيشُكم؟
هل هذا مفهومكم عن التراضي في العلاقات؟ كنتم تقيمون السهرات وتحيون الليالي وتناقشون الفنون والآداب والفلسفة العميقة وفي نهاية الليل، تذهب كل سيدة مع رجُلها، أمّا المرأة الوحيدة فمن حق كلاب السكك الثقافية التحرّش بها– واغتصابها إن أمكن– لأنّها لم تمسك بيد رجلٍ وهي تدخل سهراتكم؟! 

تقف بعض صانعات السينما، يتفرّجن على فصول المهزلة أثناء المحاكمة، وبعضهن يمتلكن الحكايا المروعة عن المخرج، وتسأل ناقدة مصرية: أُمّال كنتوا عايزينه يعمل ايه لو مرفعش قضية؟، ثم يتقدّم محامي المخرج بحافظة أوراق تضم مقالا للناقد طارق الشناوي، يتحدَّث فيه عن أجواء ضبابية لحصار فيلمٍ يمكن أن يكون مهمّاً– ولكنّ، لماذا لم يكن الفيلم مهمّاً قبل نشر الشهادات؟ يحاول الشناوي أن يرصد أجواءً غير مفهومة بالنسبة له، لأنّ قضايا النساء ليست مهمّة بما يكفي لإعادة قراءة فيلمٍ صُوِّرَ وأُنتج في ظروفٍ أقرب إلى عملية تحرّش مستمرة! بالفعل، إنّه سياق لا يخصّ العملية الإبداعية التي أشرف عليها الأب السينمائي الفيلسوف شخصياً! 

يستشعر الوسط الثقافي المصري خطراً كبيراً على حرية الإبداع، وهو البوح النسائي، ولذلك، بعد خروج الفيلم خالي الوفاض من الجوائز والتكريم من مهرجان القاهرة، دفعوا جميعاً لأن يحصل الفيلم على فرصته فى المهرجان القومي للسينما، بعد شهورٍ معدودة من انتشار الشهادات. ربّما كانت الجوائز مُستَحَقّة، لكن الإصرار على ظهوره بجوار صُنّاع السينما المخضرمين، يؤكّد لنا أنّ هناك إرادة واعية في أنّ هذا الرجل يمثّلهم جميعا! 

اطمئِنّوا يا مُثقّفي وفنّاني مصر، لقد وقف إسلام العزازي يتحدث باسمكم للهيئة الموقّرة، شاكياً من انتمائي وصديقاتي لتنظيمٍ عالمي يصدّق الناجيات بلا دليل، مُحرّضاً القضاء العادل على نساء لا يملكنَ سوى الكلام ويطالبهم بستر حياته الشخصية وما فعله بينكم طوال هذه السنوات. وقد أعلن القاضي على رؤوس الحاضرين: «أنا قرّرت أجيبك عشان تاخدي الحكم فى المواجهة وعشان ما يكنش عندك معارضة استئنافية»، حتّى لا يكون لدَيَّ فرصة قريبة في تعديل الحكم! لقد منحوا كل الفرص، مبروك فوزكم في معركة قانونية ضد كلام النساء، في مصر العام 2022. 


«حديث الشجاعة»

هذا اللسان وما ينطوي تحته من محاولاتٍ للترويض والحصار، كان هدفاً للإسكات في كل وقت: من أوّل جملة لسانك متبرّي منّك، إلى لسانك هيوديكي فى دهية. لم أعرف لماذا تسيل الشتائم على ألسنة الرجال كالمرهم، وأحياناً كطريقة للفخر والاستعراض، وحينما تستخدمها المرأة تتحوّل إلى عجيبة ومُدعاة للحطّ من شأن أنوثتها، فتصير ستّ شلق أو ست سبّابة، مثل حالتي الآن! تخافون على أنوثتنا بحماية ذكورتكم، وتُحاكمون من يقترب منها.

أبلغني المحامين بوجوب حضوري الجلسة، وطالبوني بالتزام الصمت حمايةً لنفسي وللقضية وتفاصيلها الحسّاسة. كانت لدي رغبة حقيقية في الحديث للمحكمة بصراحة، أن ينطلق لساني، وأن أواجه ما يُسمّى بحقّ المجتمع والقانون، لأنّنا مدانون فى كلّ حال، لكنّهم واجهوني بحقيقة الدور الذي تلعبه هذه القضية في التضامن النسوي، وإنّ تقليل الخسائر مهمّ لمن تطاردهم عدالة المُغتصبين من بعدي.

التزمتُ برغبة فريق الدفاع والأصدقاء والمتضامنات في الصمت، ومع ذلك، عوقبتُ أيضاً، رغم صمت لساني– إلّا في مناوبة واحدة، لكن بقيّة الكلام وما أريد، ربّما أفصح عنه جسدي. مجرّد وجودي على هيئتي الحالية داخل المحكمة، كان من الصعب أن أتجاهل كل العيون الراشقة المتربّصة منذ دخولي القاعة وحتى انتهاء اليوم. كنت مُتَّهمة غير مثالية، تمتعض الهيئة الموقّرة استفزازاً، بل أنّ القاضي قالها في وجهي صراحةً: «تبدين شجاعة، لماذا لا تتحدّثين؟». بلعت صوتي كلّه وحبسته في زوري وكدت أختنق قليلاً، وكادت خطة الدفاع أن تتهاوى وتنهار المسرحية بأكملها، حتّى نطق الصديق المحامي أحمد راغب: «الشجاعة لمّا نشروا شهادات الضحايا وتحمّلوا المسؤولية حتّى الآن». عدتُ إلى التزام الصمت صاغرة غير يائسة ممّا يفعله مجرد وجودي هنا. 

هل كنت أحتاج إلى تصغير حجمي والتنكّر في ذاتٍ أخرى؟! قبل الدخول والوقوف أمام الهيئة الموقّرة، كان واضحاً أنّه لم يكن كافياً أن أبتلع صوتي، فصورتي المُنطبعة فوق أسئلتهم المكتومة ودخان الاستهجان للحالة الماثِلة أمامهم، لم يحتاج إلى دليل أنّ الإدانة قادمة، إدانة الست أم لسان طويل التي لا تجد رجلاً يحكمها، لدرجة وصولها المحكمة بتهمة سبّ مثقّفٍ تقدميٍ منشور بحقه شهادات اغتصاب وتحرش وملاحقة متسلسلة، ويجيد استخدام حيل محامي السوق ويشتري منهم ثلاثةً للانتقام، لأن لديه من ينفق على تنظيف سمعته ولديه مؤسّسات تحمي قيم الأسرة ولديه بنية قانونية مصرية تسهّل عقاب الضحايا والمتضامنين معهم، ولديه أيضاً وسط ثقافي يُباشر جرائمه فى صمت، وعندما تتحدث النساء، يخرج محامون يصفونه بكونه حقوقي مصري. حقوقي يعلن أنّ الحديث الكثير عن التحرش فى العمل سيقلل فرص الصحافيات والنساء العاملات، يهدّدنا بالقانون الجائر ويلوح بالعقاب إذا استمر رفع الحذاء الأحمر فى وجه زيف هذا المجتمع. ما يعوزه كل مغتصب متاح لدينا بوفرة.

جاء صوت محاميتي عزيزة الطويل مُطمئِناً، لوجود صوت امرأة أمام الهيئة الموقرة، وجاء ظل ماهينور المصري يمشي خلفي أينما تحرّكتُ فى القاعة، يُهدئ من غضبي لعدم ارتكاب الحماقات. وحاولت محاميتي عزة سليمان امتصاص بعض الغضب الموجّه نحوي، كان لازماً عليّ الجلوس بجوار الرجل الذي تطارده كل كوابيس النساء المُغتَصَبة والمُعتدى عليها، دون فعل شيءٍ. لكنّني شعرتُ لأوّل مرّة، أنّ مجرّد وجود المرء يصنعُ الأشياء أحياناً، كانوا جميعهم خائفون من فرديّتي المعهودة فى التعبير عن نفسي، بما يُطلقون عليه حماقةً تارة وبطولة تارةً أخرى. لم يهمّني. أيقنتُ أنَّ ما يصدر عني، دون محاولةٍ لتهذيبه، دفاعٌ لجسدي المُحاصر داخل هذا المجتمع، هذا المناخ، وهذه المحاكمة. يربطون الطعم على مقربة من المصيدة، يجلسون يشاهدون لحظة الإغواء، لحظة الاستفزاز، حين أدخل بقدمي وأتحدّث، لكنّني صمتُّ بناءً على رغبةٍ جماعية، وعوقبتُ أيضاً، صرتُ امرأة سبابة بحكم محكمة وبختم النسر.

من خارج قاعة المحكمة خلال الجلسة، المجموعة النسوية المُتضامنة مع رشا عزب
 

لم يكن هناك رهان بتحقيق مكاسب في المعركة القانونية، ومع ذلك لم نُهزم فيها، كنّا نبني أنفسنا من جديد، داخل معركة أوسع: مواقعنا فى دعم فكرة دعم الناجيات والمجهولية والقضية النسوية برمّتها، والاشتباك مع لحظة تتحوّل فيها المُتضامنات إلى مُتّهمات، إذ بسهولة ويُسر يُقدّم إسلام العزازي بلاغات تصل للنيابة دون تحقيق، ثم تصل للمحكمة بأوراق ضعيفة وبتقريرٍ فنّي تالف تقريباً، أقرب إلى تحريّات المَباحث؛ وها نحن نحصل على غرامةٍ، قدرها 10 آلاف جنيه، كأوّل فعل إدانة رسمي للتضامن مع النساء.

في نفس وقت معرفتي بدعوى العزازي، تُشاركني الحياة صديقة الطفولة، عادت للتو من رحلة طلاق مرعبة التفاصيل، خلعت زوجها بعد معاناة، بينما يرفض ترك بيت الزوجية الذي هو ملك والدها فعلياً ورسمياً، ويعيشان فيه بصورة مؤقتة، وبدأ بابتزازها الكترونياً بصورٍ عارية من حياتهما الشخصية مقابل التنازل الرسمي عن الشقة، وبدأت رحلة عذاب للعائلة مع مباحث الإنترنت التي قدّموا فيها بلاغَين. ورغم ثبوت واعتراف الزوج فى محضر التحريّات بأنّه صاحب الحساب الذي انطلقت منه التهديدات، حُفظَ المحضر في نيابة الهرم ولم يرقَ إلى الإحالة للمحاكمة الاقتصادية، ومصادفةً، كان ذلك في نفس توقيت إحالة قضيّتي من نيابة البساتين إلى المحكمة!

ورغم تقديمنا شهادات تضامن واسعة تؤكّد أنّ الخلاف مع إسلام لم يكن شخصياً كما صَوّر هو في بلاغه وكذبه المتكرّر الرخيص فى أوراق القضية، إلّا أنّ القضية أُحيلَت بالفعل إلى المحكمة. حينها، عقدنا مقارنة سريعة بين نسبة إحالة بلاغات السيّدات مقارنةً ببلاغات الرجال والسب والقذف (القدح والذمّ). القانون لا يأخذنا بجدّية. عاش طليق صديقتي مُحتلّاً بيت أهلها، يهدّدهم بصوَر ابنتهم عارية لمدّة عامين فى حماية الشرطة والنظام الاجتماعي. عاش يهدّد أسرةً كاملةً بحرق منزلهم فى لحظة خروجه من الشقة، ويهدد زوجته السابقة فى سمعتها وحياتها. وقد قالت الأسرة، لدى ذهابها في المرّة الأخيرة لنيابة الهرم: انتو مستنّين يحصل مصيبة عشان تتحركوا في بلاغات الابتزاز؟ فردّ الوكيل: دي خلافات زوجية وكده!

أضع كل هذا فى سياق واحد لا يقبل الالتباس: كل قضايانا كنساء تتحرّك وفق نفس الخط، الخط الجاثم على صدورنا، الخط الذي لا بدّ لنا من رفعه ومسحه وإزالته في أفضل المساعي. القانون الذي يظلم فئات ضعيفة في المجتمع، يظلم المرأة ظلمَين، ويُسهّل إدانتها ويتآمر بشكلٍ عضوي لإنقاذ رجلٍ، ربما لا يملك علاقات مع شخصيّات نافذة، لكنّه حصل على دعم كل رجل فى موقعه. تصل بنا هذه المنظومة إلى لحظة فارِقة، لحظة قتل السيدات والفتيات المصريات فى الشوارع مذبوحات، مُدانات، أكفانهنَّ تحمل المأساة والتشكيك، تلاحقهنَّ الاتهامات حتّى وهنّ فى قبورهنَّ، ويتحول القاتل إلى بطلٍ يجمعون من أجله الفدية، كما يجمع المثقّفون التضامن من أجل ممثّلهم، إذ يتحوّل المثقّف إلى مستجدٍ لقوانين الدولة الرجعية، متوحّداً مع نظامٍ أعلن محاربته فى الصباحات وجلسات الأصدقاء، وعانقه في الأماسي من أجل الحصول على حكمٍ يدين السباب ليُطهّر نفسه من تهم الاغتصاب! معارك فنانّي وتقدميّي هذا العصر مُبهرة ومحورية تحت حكم الديكتاتورية! 

 وأخيراً، نطق سكرتير القاضي بحكم الإدانة، حكمٌ يخلو من أيّة موادّ قانونية أو أدلّة. جاء الحكم بناءً على إجماع الهيئة المُوقَّرة: ثلاثة رجال قضاة أجلّاء ألغوا حكم البراءة (الصادر عن محكمة الدرجة الأولى)، المستند إلى يقينٍ قانوني كما جاء فى حيثيات البراءة، إذ نصَّت على خلو أوراق الدعوى من أي دليلٍ يقينيّ مُعتَبر تطمئنّ إليه المحكمة للقضاء بإدانة المتهمة. ألغوا حكم البراءة، ليستند حكم الإدانة الجديد إلى «يقين القضاة الثلاث» فقط بأنّني مُدانة! 

بعض أصدقائي من الرجال الذين خافوا وابتعدوا عن القصّة، أراكم تترجّلون الخوف على مصائركم الشخصية، ولكم الحق، لأنّكم تعرفون ما فعلتم بنساء هذا البلد. هذه القضية انتهت فى المحاكم فقط، ولدينا جولات أخرى سوف توثَّق لنساء هذا البلد اللواتي كشفنَ عن مكامن قوّتهنَّ المبهرة، وسط سحابات الخوف المُقيم. كنتنَّ صوتي، وهذا النص يهدي نفسه لكنَّ. 

آخر الأخبار

الاقتصاد السوري في قبضة بشّار وأسماء
الإسرائيليون يُحاربون فيلم «فرحة» لنقله فظائع النكبة
أميركا x فنزويلا: النفط بدلاً من العقوبات
02-12-2022
تقرير
أميركا x فنزويلا: النفط بدلاً من العقوبات
رئيستا حكومة نيوزيلندا وفنلندا تردّان إهانةً جندريّة
«تذكّروا فلسطين» في ملاعب المونديال 
الزيتونة باي: الكزدورة ممنوعة للإثيوبيّات