مكداس والمدينة التي لم تعرف رجلاً قتله الشرطيّ

كان البيت كبير بس ما كنت إقدر إتنفّس

مكداس، عاملة أجنبية في لبنان، من فيلم لفراس حلاق

 

على النساء الأفريقيات ألا يذهبن إلى لبنان لأنهنّ يعاملنَ كعبيد

ناومي كامبل، آذار 2020

 

أتمنى لو كنت سوداء

تانيا صالح

 

في ثانويّتي التي تعلّمت فيها، كان يكثر الكلام بين رفاقي في الصف عن السرلنكيات، وفق ما يستخدمون من لفظ. كان بعضهم، وهم من عائلات طرابلسية مرموقة، يستغلّون العاملات المنزليات لدى أهاليهم، من أجل ممارسة الجنس معهنّ.

كنتُ ولداً في الخامسة عشرة حين أخبروني عن شاليه في شكا، يستأجرونه ليتداوروا على عاملة منزلية ويهدّدونها إن لم تقبل. كنت أفكّر دائماً بتلك البنت التي تداولوا فيديوهات عنها عبر البلوتوث (يومها) وهي تمصّ قضيب أحدهم، وكيف راحوا يسخرون منها. وحين اعترضت على فعلتهم، هدّدوني ونعتوني باللوطي. كنت ولداً نحيلاً ولم أستطع فعل شيء.

وحين خرجت إلى العالم الطرابلسي من خلال شغلي الصحفيّ واختلاطي بمجتمع طرابلسي برجوازي، سمعتُ قصصاً كثيرة عن العاملات المنزليّات في بيوت بعض العائلات الطرابلسية اللواتي وقعنَ ضحايا الاغتصاب من قبل أولادها الصبيان وحملنَ وأجبرنَ على الإجهاض. كانت عيادة أحد أطبّاء المدينة معروفة لهذا الشأن. كانت عشرات العمليات تجرى بالسرّ لعاملات يجدن أنفسهنّ إما في السجن أو على قارعة الطريق أو مرحَّلات إلى بلادهنّ، في أحسن تقدير.


في فترة عملي الطرابلسيّ، عرضتُ فكرة تحقيق على رئيس تحرير عن واقع العاملات المنزليات، وكان هذا في تلك الفترة موضوعاً حساساً في مجتمع محافظ وتسيطر على صحافته عقلية ذكورية. وافق على مضض. وحين قرأ المادة، لم ينشرها. قال لي بالحرف الواحد: هيدول العبدات شرموطات وجايي تصدّقهن؟
يومها تركت الصحيفة وخرجت. ولم أنشر المادة قط. لكن لا تزال قصص تلك الفتيات اللواتي التقيتُ بهنّ في حديقة الملك فهد سرّاً، أو قرب شارع المعرض، الحيّ البرجوازي للعائلات الطرابلسية الغنية، تتردّد أصداؤها في رأسي.


اليوم، وبعد مقتل الرجل الأميركي من أصول أفريقية على يد شرطي، وجدت نسوة طرابلسيات أعرف أنّ لديهنّ خادمات سحبنَ منهنّ جوازات السفر ويعاملنَهنّ بطريقة مهينة للغاية، قد وضعنَ على بورفايلاتهنّ الفايسبوكية وتويتر صوراً وشعاراتٍ ملأى بالنفاق عن إحقاق حقّ الأفارقة والملوّنين في العيش بكرامة من دون تمييز عنصري.

لا تلغي هذه الصور التي حقّقها التراند، المعاملة المشينة للعاملات الأجنبيات في لبنان اللواتي يُقتَلن ويُهدَّدنَ ويُغتَصَبن وتُمارَس عليهنّ أبشع الممارسات والإهانات الجسدية والنفسية والمعنوية في بيوت لبنانيات. يتخفّى بعضهنّ خلف شعارات المساواة والعدالة، وهنّ في الأساس راضيات عن نظام الكفالة المتوحّش في لبنان.


في لبنان، العنصرية المتوحّشة ضدّ السوريّين والفلسطينيّين والأجانب، هي عنصرية متجذّرة في العقل اللبناني القبلي والطائفي والذي يهزأ من الآخر المختلف عنه. يهزأ من لونه وثقافته ولهجته وعاداته وثقافته وأغانيه.

يزيد من هذا التوحّش النظامُ القائم على العنف والتمييز العنصري. حاجتنا اليوم ملحّة إلى نسف نظام الكفالة. ومن هنا يبدأ التعاضد الاجتماعي وليس من خلال الصور والشعارات التي لن تنقذ عاملة أجنبية سترمي نفسها من البلكون، ولن تحمي عاملة أخرى تهدد بالقتل وتتعرض للاغتصاب الوحشي وللضرب والاهانة.

لبنان، البلد الذي يناصر فايسبوكياً قضايا التمييز العنصري، بيوته سجون تعذيب مستمرّ لعشرات النساء الملوّنات، ولغته الشعبية تحمل خطاباً تمييزياً من «راس العبد» إلى «السرلنكية» التي غنّى لها إيلي أيوب (أقسم بالله ما يبقربني)، إلى تانيا صالح التي «بدل ما كحّلتها عمتها».


أفكّر بمكداس، الفتاة التي قالت لكاميرا فراس حلاق إنّ البيت الذي عملت فيه كان كبيراً لكنّها لم تكن تستطيع التنفّس. مكداس لم تعرف الرجل الذي قتله الشرطيّ، لكنّ كلاهما فقدَ قدرته على الحياة. وهي كما كثيرات وكثيرين يقتلهم نظام الكفالة المتوحّش.

عن السيادة والعنصريّة والتبعيّة

أهان وزير الخارجيّة شربل وهبة دول الخليج إنبطح سياسيو لبنان تحت خيمة السفير السعودي بالوصايات والاحتلالات والتدخّلات المسؤولة الأساسية عن التفاوض مع سفراء الدول المانحة لاصطفاف خارجي في وجه اصطفاف آخر تمّ الاعتداء على مواكب السوريين مسيرة عسكرية بفاشية مهرغلة

إتيكيت «الجردون» اللبناني

ذهنية لبنانية متوارثة متفوقًا على أقرانه سكان الخليج السوري الفلسطيني البنغلاديشية والسيرلنكية والفيلبينية الطرابلسي الشيعي الدرزي طوني مندلق إيلي صعب ربيع كيروز نادر صعب نائب الأمّة الجاهل