نظام التلفزيون/ تلفزيون النظام


لا أدري لماذا تذكّرت رياض شرارة، الذي مضى أكثر من ربع قرن على رحيله، فور مشاهدتي أداء مارسيل غانم التوبيخي (بدنا نروق، مش مطلوب منكم تعلمونا دروس بالأخلاق أو بالوطنية، منترجاكم بطلوا تخوين للناس وبطلوا تنظير من بعيد).

نظر الإعلامي إلى المشاهدين والمشاهدات مباشرةً، اصطنع نظرة جديّة وعبسة لمرافقة البهدلة، التي صاحبها أيضاً تلويحاً بالأصبع.
ربما لم يصطنع الموبّخ كلّ ذلك. لعلّ سنين الاستعراض الإعلامي جوّفت الشخص وضخّمت الشخصية، فلم يعد الفصل بين المصطنع والحقيقي متاحاً. لعلّها بعض مخاطر مهنة انزلقت أكثر فأكثر نحو الإثارة والافتعال والمبالغة بالمسرحة (الأوفرة) بُعَيد انتهاء الحرب الأهلية التي شهدت اجتياح منطق السوق (نسب المشاهدة، الإعلانات، المنافسة على نقل الحدث والمباريات الرياضية والمسابقات) لتلفزيونات أُسِّس بعضها في الأصل لكي يكون منبراً سياسياً- حزبياً.

اندثر الإعلامي- الملتزم الذي عمل إلى جانب رفاق له في الحزب خدمةً لقضيّتهم بعد الحرب (مع استثناءات قليلة كقناة المنار)، ليبدأ تحوُّل بعض الإعلاميين والإعلاميات أكثر فأكثر إلى نجوم. فاستبدلت العلاقة الأفقية بين الرفاق المتساوين (على الأقلّ نظرياً) بالعلاقة العمودية التي تفصل النجم المتألّق (وبريق ساعة يده، قد يقول بعض الخبثاء) عن السواد الأعظم من الناس.

تحوّل ناقلو الخبر ومحلّلوه إلى مادّة الخبر، ودخل البعض إلى «عالم المشاهير»، والبعض الآخر إلى نادي النخب السياسية والمصرفية للنظام.
وربّما كان الأداء الأصدق للنجم مارسيل غانم لعبه دور مارسيل غانم، مقدّم برنامج «كلام الناس»، في فيلم ميرجان بو شعيا، فيلم كتير كبير (2015).


لا أدري لماذا أتى ردّ فعلي التلقائي على استعراض مارسيل غانم على شاكلة استذكار رياض شرارة. لا أعرف الكثير عن الرجل الذي رافقتْ برامجه المتعدّدة وصوته الرخيم وضحكته طفولتي ومراهقتي، ومنها برنامج المسابقات الياباني المُدبْلج «الحصن»، ومن آخرها الأوّل عل ال.بي.سي الذي جال فيه على الضيع اللبنانية بعيد انتهاء الحروب الأهلية (1992). تذكّرتُ عفويّته، نبرته، اقتصاده بحركة الجسد، صدقه، قربه من الناس ودماثة تعاطيه معهم. قد لا تكون ذاكرتي بمنتهى الدقّة، وربّما تذكّر آخرون رياض شرارة بطرق أخرى. ولا أريد أن يُقرأ ذلك كحنين إلى فترة ذهبية للتلفزيون اللبناني قبل انحداره.

أكثر ما يثير دهشتي في كلّ ذلك هو كيفية عمل الذاكرة التي استدعت ذاكرة تلفزيونية دفينة عمرها أكثر من ثلاثة عقود كردّ على تجربة تلفزيونية في الحاضر. صورة مقابل صورة، نبرة مقابل نبرة.


يساهم التلفزيون في تشكيل ذواتنا. يعمل جنباً إلى جنب مع العائلة والمدرسة والحيّ والمؤسسات الدينية. ينتج صوراً وأصواتاً تتغلغل إلى أقاصي الروح. تنسج برامجه شخصيات يتماهى المشاهدون معها. تساهم أحيانًا في تحرير رغباتهم وإطلاق العنان لمخيّلتهم. تظهر إمكانية حياة أخرى. حياة تتنفّس خارج الأطر الاجتماعية المقبولة.
تبقى صوره الأولى مصانة في طبقات الذاكرة. تطفو إلى السطح بين الحين والآخر. فيُعاد، على سبيل المثال، تفعيل شخصيات ومشاهد من مسلسلات الرسوم المتحرّكة اليابانية (غرندايزر، ساسوكي، جزيرة الكنز، كابتن ماجد) التي نشأ عليها أكثر من جيل في أكثر من بلد عربي، بين الحين والآخر، للتعليق على أحداث راهنة وإسباغ معنى ما عليها.


منذ 17 تشرين، تبيّن بوضوح أنّ التلفزيونات في لبنان على اختلافاتها، وباستثناء برامج سياسية قليلة، ركنٌ أساسيٌّ من أركان النظام المعادي للديموقراطية.
تزدري حريّة الناس من جهة، وتبيّض صفحات المصرفيّين وتؤازر القوى الأمنية، من جهة ثانية. وفي جميع الحالات، تبقى عينُها على نسب المشاهدة والمنافسة فيما بينها. رغبتها الدفينة أن تكون هي الحدث. أمّا المواطن والمواطنة، فهُم في أكثر الحالات عرضة للتوبيخ، للمقاطعة، للرقابة، لاستدرار الشفقة، أو لمشاركة لا تتعدّى الثلاثين ثانية. فحتى كلام الناس بحاجة، في نهاية المطاف، إلى كومبارس.