نقد
سلسلة
فلسطين عالميّة
ديباديتا بهاتاشاريا

البحث عن اسمٍ للحرية

التكلّم عن فلسطين في الهند المعاصرة

9 كانون الأول 2023

الفاشيّة في الهند

أنتج التكريس الانتخابي لليمين الهندوسي في الهند عام 2014، وما تبعه من إطلاق العنان للطاقات الطائفية في الحياة العامة في البلاد، معضلةً معرفيّة.

فحتّى مع تزايد أحداث العنف، من اقتحام حشودٍ مسعورة منازل مسلمين بسبب الاشتباه بلحم بقر يتمّ تخزينه في برّاداتٍ، إلى اندلاع أعمال شغبٍ محدودةٍ في أنحاء مختلفةٍ من البلاد، أو إرسال طلّابٍ جامعيّين إلى السجن بسبب رفعهم الصوت بشأن منطقة كشمير، وصولًا إلى إطلاق النار على مثقفين معروفين وقتلهم أمام منازلهم، بقي مواطنون ليبراليو الهوى يتناقشون بشأن اختيار كلماتٍ مناسبةٍ لأيديولوجية الكراهية الوطنية هذه. وغالباً ما كان يُقال لنا، في دوائر الناشطين غير الرسمية، إنّ كلمة  «الفاشية» لا يمكن استخدامها بشكل فضفاضٍ يحوّلها إلى مفهوم واسع لضمّ كل شيء. فاستخدام هذه الكلمة، على ما يبدو، يقوّض نطاق معاداة السامية وحجمها «الحقيقيَّين». بناءً على ذلك، بدأ ليبراليّون هنود من ذوي «الضمير الحيّ» باعتبار أشكال العنف الحالية المعادية للمسلمين من صنع «مجموعاتٍ هامشية» من الهندوتفا– هذا قبل الانتقال التدريجي إلى مصطلحاتٍ كـ«عدم التسامح الديني» أو «الهجوم على المعارضة». وفي في نهاية المطاف، وصلوا إلى مصطلح «حالة طوارئ غير معلنة». وفي أوج هيجانٍ شعبيٍ ضدّ تعديلٍ في قوانين الجنسية في الهند، تعمّد جعل الدين مُحَدِّداً لدعاوى الحقوق المدنية وسبباً للاحتجاز العقابي والمضايقات القضائية، شهدنا على اقتحام شرطة مكافحة الشغب مكتبة جامعةٍ وتفجير غرف في أنزالٍ للشباب (في جامعةٍ أخرى) بقنابل صوتيةٍ. ومع كل ذلك، لا نزال غير أكيدين إن كان كل هذا العنف قد استوفى الشروط المعرفية التي تمكّن من وصفه بـ«الفاشي». 

أنتجت سنوات من هذه المسرحية وحيرتنا الجماعية حول إيجاد عنوان جاهز لما يجري تأثيرًا غريبًا. فبُتنا نعتبر أنّ العنف الإثني-الديني عنصراً داخلياً من عملية الديمقراطية الهندية اليومية، ولكنّه يتطلّب مع ذلك تمحيصاً أكاديمياً صارماً قبل السماح بانتسابه إلى أرشيف ما هو «شعبي». وقامت الحكومة اليمينيّة، من ناحية أخرى، بعكس ذلك تماماً، إذ ساهمت في انتشار جميع أشكال المشاعر «الهامشية» والقوى التي تتبناها على نطاقٍ واسعٍ عبر مواقع التواصل ووسائل الإعلام الرسمية، حتّى أصبحت أفكارها منطقاً بديهياً وطنياً. هذه هي بالذات علّة الفاشية. فهي تعتاش بشكلٍ أساسيٍ من الخلط بين الأسماء والدلالات. فالحالة الفاشية هي في ضعف الكلام بعلاقته بالمعنى. أمّا الانتشار الواسع (virality)، فهو دواء أزمة المعنى. بكلام أوضح: عندما يتشوّش المضمون، على الكمية أن تتكاثر. 


إبادة غزّة من منظور الفاشيّة

يشهد الخطاب العام في الهند حول حرب الإبادة التي تشنّها الدولة الإسرائيلية على غزّة واحتلالها المتواصل لفلسطين، على كيفيّة لعب الفاشية على الكلام وصناعة المعاني.

فعلى الرغم من تاريخٍ طويلٍ من تضامن الهند مع النضال الفلسطيني من أجل الحرية، ما جعلها أوّل بلدٍ غير عربيٍ يعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية كجبهةٍ شعبيةٍ معاديةٍ للإمبريالية، تنمّ المواقف الدبلوماسية التي اتخذتها حكومة مودي في السنين الأخيرة عن نية استراتيجية. فبعد فترة وجيزة من وصول حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم إلى السلطة، تراجعت الهند عن سياستها الرسمية المستمرة منذ عقودٍ عبر الامتناع عن التصويت في الأمّم المتحدة عام 2016 حول التحقيق في جرائم حرب إسرائيل الاستيطانية ضدّ فلسطين من قِبل المحكمة الجنائية الدولية. وبعد هجمات حماس في إسرائيل في 7 تشرين الأول، سارعت الهند إلى الانضمام إلى الإجماع الغربي «المناهض للإرهاب» عبر التعهّد بتقديم دعمٍ غير مشروطٍ إلى الحكومة الإسرائيلية. بعد بضعة أيامٍ، وفي وجه بعض الانتقادات، وضّحت وزارة الخارجية الهندية دعمها لـ«مفاوضاتٍ مباشرةٍ تمهّد الطريق لإقامة دولةٍ فلسطينيةٍ سياديّةٍ، ومستقلّةٍ، وقابلةٍ للحياة». ولكن، بحلول نهاية تشرين الأول، كانت الهند قد قلبت موقفها مجدداً رأساً على عقب في الدورة الاستثنائية الطارئة العاشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة – عبر الامتناع عن التصويت على نداءٍ لـ«هدنةٍ إنسانيةٍ فوريةٍ» بين إسرائيل وحماس. كان كلّ هذا التأرجح السياسي على الصعيد الدولي مدروساً من أجل إثارة نوعٍ محدّدٍ من الانفعالات العامّة في الداخل. وحتّى فيما كانت القيادة الوطنية تقوّض مصداقية مناورات الهند الجيوسياسية، عززت مناخاً داخلياً من الاستقطاب الطائفي عبر كسر سلسلة المعاني المكرّسة حول إسرائيل/ فلسطين. فجأةً، في المخيّلة الجماعية الشعبية، تحوّل نضال فلسطين الممتدّ على خمسةٍ وسبعين عاماً ضدّ التجاوزات العنيفة للاستعمار الاستيطاني إلى قضيّة «إرهابٍ إسلامي».

من دواعي السخرية،  تزامنت إعادة هندسة الهند لنضالٍ مناهضٍ للاستعمار مع مرور خمسةٍ وسبعين عاماً على تحرّرها هي من الحكم الاستعماري، والطنّة والرنّة التي واكبت هذا التاريخ وإدراج جميع المبادرات الحكومية تحت عنوان «ماهوتساف» (المهرجان العظيم).
ولكنّ «العظمة»، كما نعرف جميعاً، تعتمد على تصوّراتٍ ثابتةٍ قوامها التقليل من أهمية الآخر وإهلاكه– أي، في الحالة الهندية، الأقلية المسلمة. لذا، كان من السهل وضع القضية الفلسطينية العربية في قالب تهديدٍ إسلاميٍ– لا سيّما في إطار انتخاباتٍ وطنيةٍ قادمةٍ في بداية عام 2024 واستفتاء مودي الثالث حول أجندة الأمّة «الهندوسية». ما تبع ذلك كان بديهياً: تدفّقٌ عارمٌ  لمنشوراتٍ مؤيدةٍ لإسرائيل على مواقع التواصل من حساباتٍ هنديةٍ، غالباً ما كان يتمّ اختيارها ونشرها بعنايةٍ على يد أعضاء خلايا تكنولوجيا المعلومات التابعة للحزب الحاكم. واقترن ذلك بتقارير عن تعليماتٍ من القيادات السياسية إلى الشرطة المحلية في كلّ من الولايات التي يحكمها حزب بهاراتيا جاناتا وفي أماكن أخرى، لمنع اجتماعاتٍ تضامنية أو مسيراتٍ مؤيدةٍ لفلسطين. فمن ولاية أتر برديش الشمالية إلى كرناتكة في الجنوب، تمّ توقيف متظاهرين سلميّين ومشاركين في تظاهراتٍ صامتةٍ واحتجازهم في مراكز الشرطة، أو بكلّ بساطةٍ، تمّ منعهم من التجمّع في الساحات العامة. 


إحباط العمل النقديّ للجامعات

ولكنّ قوّة الإجماع المهيمن– كما ذكّرنا غرامشي منذ البداية– تتطلب أكثر من عقوبات الدولة أو تهديد أجهزة «القانون والنظام». فهي تسعى إلى كسب مساحاتٍ للتأهيل الفكري، وتحويلها إلى مصانع لاعادة إنتاج الأيديولوجيا باعتبارها منطقاً بديهياً. وهنا يتمّ العمل على ربط المعنى بالدلالة. وأيّ  شيء يتمّ إبقاؤه بعيداً عن عالم الدلالات، يجب بالضرورة أن يبدو محصّناً ضدّ التجربة الحسّية. ما هو غير مسمّى، بحسب ما يُقال لنا، لا بدّ من أنّه غير حقيقي. لذا يمكن إحباط عمل الجامعات النقدي– الذي يبدأ بتعريف «الأزمة» بحدّ ذاتها– بشكلٍ فعّالٍ، فقط إن تمّ تحويل كلّ  إشارة إلى «أزمة» أولاً إلى جريمة. كلّ ما سيبقى هو واقعٌ سعيد، وفرحنا المفرط به. 

عندما عرضت عضو في هيئة التدريس في أحد أبرز معاهد الأبحاث التكنولوجية المتقدمة الممولة من القطاع العام في الهند– المعهد الهندي للتكنولوجيا، مومباي– فيلماً وثائقياً من عام 2004 للمخرج الإسرائيلي-اليهودي جوليانو مير خميس في صفّها، ودَعَتْ ناشطاً مسرحياً مشهوراً لمناقشة دور مسرح الأطفال في التعامل مع واقع النهب الاستيطاني في فلسطين، تمّ وصف كلّ منهما بالـ«متعاطفَيْنِ مع الإرهابيين». وأثارت مجموعاتٌ طلّابيةٌ يمينيةٌ هندوسيةٌ بلبلةً داخل حرم الجامعة وفي خارجه، مطالبةً بأن يتمّ إطلاق النار عليهما لقتلهما، وأعدّت بعض وسائل الإعلام الكبرى نشراتٍ إخباريةً حول المناقشة التي أجرتها الأستاذة في الصفّ واصفةً إيّاها بـ«دعايةٍ» لحماس. كان الهدف ترك أثرٍ مُثبّطٍ  في جامعات الهند. فاستيقظت إدارة جامعةٍ خاصةٍ نخبويّةٍ في ولاية هريانا النائية وعبّرت عن قلقها من أن يتضرّر رأس المال الخاص بها بسبب محاضرةٍ تمّت استضافتها حول «تاريخ الحاضر الفلسطيني وسياسته» جرت في أول تشرين الثاني. للمفارقة، يتمّ التسويق لهذه الجامعة الخاصة على أنّها إحدى المساحات المتميّزة لعملية البحث عن «الفنون الليبرالية» الحرة. وأرسلت رسالةً إلى المتحدّث مطالبةً إيّاه بالإعراب عن أسفه حيال التعليقات «المعادية للهندوس» التي تمّ إبداؤها خلال مداخلته. يتواصل كلّ ذلك وسط تعميم الهند الاحتفالي الجديد لسياسة تعليم وطنية جديدة، تدعو إلى إصلاح شامل للقطاع الجامعي للبلاد دعماً لمنهج «ليبرالي واسع النطاق».
مضمون «سياسة التعليم الجديدة» للهند، التي بُذلت جهودٌ عدّةٌ من أجل التوصّل إليها خلال السنوات الثلاث الأخيرة هو هذا بالضبط: على جميع المؤسسات– سواء كانت مموّلة من القطاع العام أو من القطاع الخاص– أن تتخلّى عن البحث عن اسم يلائم طبيعة زمننا. بدلاً من ذلك البحث، علينا أن نبتهج بكلام مشوّه، مبالغاً فيه بسبب تحوّله إلى ذاكرة جماعية. هذه هي لغة جورج أورويل «نيوسبيك»، في عصر التكرار المتفشّي. 

داخل مدرسةٍ محليّة مسائيةٍ لأطفالٍ من فقراء المناطق الحضرية في كلكتا (تصوير كاتسوري باسو)

ولكن على الذين لا اسم لهم أن يواصلوا البحث عن اسمٍ. وهكذا، في مدرسةٍ محلية قائمةٍ على متطوعين في زاويةٍ من كلكتا– اسمها «روكيا شيكشا كندرا»، أُنشئت تخليداً لذكرى الكاتبة النسوية والناشطة التربوية المسلمة البنغالية التي عاشت في بداية القرن العشرين بيغوم رقية سخاوات حسين– يرسم الجيل الأول من المتعلّمين، من العشوائيات والعائلات المحلية للمُياومين، ملصقاتٍ بأيديهم تصرخ من على جدران مدارسهم: «حرّروا فلسطين، أنقذوا أصدقاءنا». هذه الملصقات معلّقةٌ إلى جانب ملصقاتٍ أخرى تعلن عرض الفيلم الفلسطيني «أين يجب أن تطير الطيور؟» (2013) الذي يروي قصّة حصار إسرائيل لغزّة من وجهة نظر طفلةٍ في الحادية عشرة من العمر اسمها منى الساموني.

ستكون فلسطين البلد الحرّ «لأصدقائنا»، وكلّ مساءٍ سنتذكّر أسماءهم على الرغم من الأزمنة التي يفوق رعبها التسميات.

ترجمة تالا نجيم

سلسلة

فلسطين عالميّة

الآن، وأكثر من أي وقت مضى، فلسطين عالميّة. لا نعني بذلك أن القضيّة الفلسطينية «قضية إنسانية» فحسب، أي جامعة بتجرّد عدالتها، بل فلسطين عالمية لأنّها، بالإضافة إلى عدالتها الجامعة، باتت قضية تقسم العالم بين أشكال مختلفة من التضامن دولياً ومحاولات مركّزة لإسكاتها وتجريمها.

يتقصّى ملفّ «فلسطين عالميّة» جوانب مختلفة من أشكال المواجهة الدائرة اليوم في المدن والجامعات والنقابات والمؤسسات والمدارس والمتاحف والصحف وفي اللغة نفسها. ومن خلال ذلك يسعى الملفّ إلى أمرين: الأوّل، نقل تجارب شخصية واختبارات عينية، تبتعد عن المقولات الجاهزة والهلامية، عن الغرب مثلاً. والثاني، ربط تجارب مختلفة ببعضها بعضاً، لإظهار تداخل المواجهة الحالية مع سياقاتها السياسية والاجتماعية في المجتمعات التي تشهد تلك المجابهات.

فلسطين في النروج | تحليل
غزّة في أميركا الشماليّة | تحليل
غزّة وعصر «المحارب» القادم | تحليل
حدود الديمقراطية الألمانية وضوابط الفنّ المعاصر | حديث

آخر الأخبار

جعجع: الأمن الذاتي بحجّة مكافحة النزوح السوري
اجتياح رفح 
الإفراج عن الأكاديمية نادرة شلهوب كيفوركيان
خوفاً من مذكّرة اعتقال دولية
هكذا يعذّب الاحتلال الدكتور إياد شقّورة
جندي إسرائيلي يسرق جرواً من أمّه