تحليل
سلسلة
فلسطين عالميّة
رنا عيسى

فلسطين في النروج

تحدّيات التضامن في ظلّ السياسات والمصالح الاقتصاديّة

23 تشرين الثاني 2023

تقوم السياسة الخارجية النروجيّة على الكثير من الانتهازية وازدواجية المعايير في عدم تطابق الكلام مع الفعل السياسي. فبالرغم من تمايز الخطاب السياسي النروجي حول الحرب الدائرة في فلسطين اليوم عن باقي الدول الأوروبية في كونه يطالب بالامتثال لقوانين الحرب الدولية وإنهاء الحصار على غزة والعودة إلى السياسة، يكمن أحد أساسيات الاقتصاد السياسي في النروج في العلاقة الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية المتينة مع إسرائيل.

تُعَدّ حرب 1967 نقطة تحوّل مركزية في تفاعل الشعب النرويجي مع  القضية الفلسطينية. في ذلك الزمن، كان حزب العمل في أوج تألّقه السياسي، وكانت تستهويه يسارية إسرائيل وخيالها الكيبوتزيمي التعاوني في اجتراح مجتمع قائم على المساواة واستبدال البنية العائلية بشبكات تعاضد في تربية الأطفال واقتصاد داخلي تشاركي/ اشتراكي. وبدأت أحزاب اليسار النروجي والمؤسسات الأهلية النروجية بتنظيم بعثات لإسرائيل، وخصوصاً إلى الكيبوتزيم، لشريحة واسعة من أبناء الطبقة العاملة النروجية في الأشهر والسنوات التي تلت الحرب. 

وكما يخبرنا أبناء هذا الجيل ممّن قاموا بهذه الرحلات، لقد اكتشفوا عند وصولهم للكبيتوزيم على أي عنف يقوم هذا المجتمع «الطوباوي» وشهدوا على الاحتلال. هكذا تعرّف النروجيون على القضية الفلسطينية وأصبح بعضهم نشطاء فيها. وفي عام 1969، انبثقت جمعية تُعرف بـ«لجنة فلسطين» وقامت بتنظيم العمل التضامني مع المنظمات الفلسطينية آنذاك، من تمويل إلى تقديم مساعدات طبية، ومساندة إعلامية وضغط سياسي، فأقاموا معارض ثقافية ومؤتمرات تضامنية واستعملوا النقابات للضغط على الحكومات المتتالية لمساندة فلسطين. 

أصبحت حال التضامن مع فلسطين عامّةً في البلد، وحتى حزب اليمين وعلى رأسه كوري فيللوك الذي شغل منصب رئيس الوزراء في النصف الأول من الثمانينات، كان مسانداً للقضية الفلسطينية. هذا الإجماع العام على الحقوق الفلسطينية خفتَ كثيراً بعد اتفاقيات أوسلو، وتأطّرَ في مؤسسات ووظائف حكومية وخاصة وعلاقات اقتصادية متشعبة ومؤسسات دراسات سياسية وفي الجامعات ومؤسسات الإغاثة العالمية، وأخذ طابعاً وظيفياً خارج السياسة بمعناها المباشر. 


«لجنة فلسطين»، أيضاً، خفتَ صوتها وتضاءلت قوتها، إلى أن استلمت رئاسة اللجنة، منذ ثلاثة سنوات، لينا الخطيب، وهي نروجية من برغن وفلسطينية من دير حنا وأول رئيسة من أصول عربية للمؤسسة منذ تأسيسها. كان لترؤُّس لينا المؤسسة الأثر الأكبر في إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية في النروج وزيادة عدد أعضاء اللجنة أكثر من ضعفين (تضمّ اللجنة اليوم حاولي 8,500 عضو). ومن خلال مجموعة صغيرة من الأصدقاء العرب الموثوق بحكمتهم السياسية، نعمل جميعاً على إدارة الحركة التضامنية من خلال تحديد الأولويات والأساليب المقترحة من قبل المجموعات ورسم خريطة للسياسيين والفاعلين بالشأن العام، نطالبهم بالوقوف الواضح إلى جانبنا. 

مطالبنا الرئيسية من السياسيّين، هي:

  1.  توقف القصف وإدخال المساعدات
  2.  خروج الصندوق السيادي من استثمارته في الضفة الغربية (يعتبر القانون الدولي المستوطنات جريمة حرب)
  3. تضامن النروج مع الشعب الفلسطيني في المحكمة الجنائية الدولية (ووعد اسبن بارت أيدا، وزير الخارجية، الوفد التضامني الذي التقى به في 6 تشرين الثاني أن النروج ستزيد التمويل للمحكمة الجنائية الدولية)
  4. عدم بيع الأسلحة لإسرائيل (عن طريق أميركا وغيرها من الأساليب المواربة لإخفاء هذه الصفقات)
  5. الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين (وهو مشروع قانون صوّت ضده حزب العمل وغالبية الأحزاب اليمينية في البرلمان في 14 تشرين الثاني). لكنّ هذا المطلب لم يعد من أولويات الحملة، كون الحملة ليست مهتمة بالاعتراف بأن الضفة الغربية هي ما نعنيه بفلسطين، وتطالب الحكومة في البرلمان بعقوبات واضحة على إسرائيل)

مطالبنا الرئيسية من القطاع الثقافي والأكاديمي، هي:

  1.  تفعيل حملة مقاطعة المؤسسات الثقافية والأكاديمية الإسرائيلية.
  2.  التضامن مع الفنانين والكتاب الفلسطينيين والمتضامنين معهم (خصوصاً مَن تعرّض لخسارات في العمل) من خلال دعوتهم للمشاركة بفعاليات ثقافية في النروج.
  3. مطالبة مؤسسات تعنى بحرية الرأي بالنظر في حال الإعلام النروجي وتحيّزه لإسرائيل، وفي تغطية المؤسسات الإعلامية الكبرى للحرب. (في هذا السياق، تنظم مساحات مع مؤسسة الكلمة الحرة حواراً يضمّ عدداً كبيراً من الفاعلين الأساسيين في البلد للاستماع لوجهات نظر وأكاديميين وفنانين وصحافيين أغلبهم فلسطينيون لمناقشة الحق في التعبير عن التضامن مع فلسطين).
  4.  الضغط على نقاباتهم من أجل ممارسة قوة ضغط سياسية على الحكومة (وهذا سياق بحدّ ذاته).

تنسّق «مساحات»، المؤسسة التي أعمل بها، مع «لجنة فلسطين» منذ بدء العدوان على غزة. وقد نظمنا لقاءات حوارية  جمعت العديد من المؤسسات الأهلية والإعلامية والثقافية وممثلين سياسيين، وأيضاً لقاءات مخصصة للطلاب والفنانين لتبادل وجهات النظر حول فلسطين وتعريفهم بحركة المقاطعة الفلسطينية. وانبثق عن هذه اللقاءات مجموعات صغيرة حرة وعابرة للاختصاصات تعمل على تحريك الشارع. 


يصطدم عملنا حالياً بواقع ازدواجية المعايير في النروج في علاقتها مع فلسطين منذ التسعينات إلى اليوم. رسمياً، لا تضع النروج حركة حماس على قائمة الإرهاب العالمي، وقد أكد وزير الخارجية أيدا، المنتمي إلى حزب العمل، وقوفه إلى جانب أنطونيو غوتيريس بعدما كسر الأمين العام للأمم المتحدة الصمت العالمي حول ما يرتكب من مجازر في غزة. لكن النروج تترأس اليوم قيادة الناتو عبر ينس ستولتنبرغ، رئيس الوزراء السابق الذي ينتمي أيضاً إلى حزب العمل. كما أن رئيس الوزراء الحالي، يوناس غار ستوري، يبدي انحيازاً تاماً للخط الأميركي في الشأن الفلسطيني، ويترك لوزير خارجيته تطرية الكلام. 

خسر حزب العمل الحاكم الكثير من شعبيته في الانتخابات البلدية التي أقيمت في أيلول من هذه السنة. فقد أظهرت هذه الانتخابات أن حزب العمل لم يعد الحزب الأكبر في النروج، وهو موقع احتله بدون منازع منذ مئة سنة إلى اليوم. بات حزب اليمين الذي تترأسه آرنا سولبيرغ هو الحزب الأكبر في النروج اليوم. وسولبيرغ، وهي خارج الحكم، لم تقل الكثير عما يحصل في غزة، واكتفت بتغريدة بعد تظاهرتنا الكبرى الأولى بأننا ارهابيون وعلى الشرطة أن تتعامل معنا بحزم واضح. في لقاءاتنا مع أعضاء وممثلين من حزب العمل، نجد تضامناً واسعاً في الحزب، ولكن نسمع أيضاً الرأي المكرر وهو أن النروج لا تقدر أن تخرج من عباءة أميركا، وذلك بسبب الخوف الكبير من اندلاع حرب مع روسيا لن يصمد فيها الجيش النروجي بضع ساعات من دون حماية الشقيقة الكبرى. 

لكن التعبير عن الخوف من روسيا يخفي أيضاً مدى تورّط النروج بتجارة الأسلحة العالمية، وموقعها كأحد أقطاب هذه الصناعة في العالم. 

تترجَم العلاقة مع أميركا بازدهار ملحوظ لتصنيع الأسلحة من قِبَل شركات نروجية، وإن كان الكثير من معاملها يقع خارج البلاد، في الولايات المتحدة وأوروبا، وبالكاد تخضع للقانون النروجي الذي يجرّم بيع الأسلحة لبلدان ترتكب جرائم حرب. كذلك لا تخضع الحسابات المالية لهذه الشركات للتدقيق والشفافية في نشر المعلومات المالية للمؤسسات الكبرى وإتاحتها لعامة البلد. 

في الأسابيع التي سبقت الحرب على غزّة، حصلت فضيحتان سياسيتان حول هذه الصناعة. الأولى طالت زوج رئيسة حزب اليمين سولبرغ، وهي رئيسة الوزراء السابقة، الذي اشترى رزمةً كبيرةً من الأسهم في مجموعة كونغسبرغ، وهي شركة أسلحة وثّق الفلسطينيون أن أسلحتها مستعملة في غزّة اليوم. أمّا الفضيحة الثانية، فطالت زوج وزيرة الخارجية أنيكن ويتفلدت من حزب العمل، الذي اشترى هو الآخر أسهماً في الشركة نفسها، فخسرت منصبها بعد أيام من بدء الحرب على غزة. ويعتبر الرأي العام النروجي أن الزوجَيْن قد حصلا على معلومات سرّية عن صفقات أسلحة كبيرة تقوم بها النروج، فاستثمرا أموالهما في الشركة. 

ليست تجارة الأسلحة إلا إحدى التجارات بين النروج وإسرائيل. فهناك العديد من الشركات النروجية الخاصة والعامة التي تعمل في الصحة والمكتبات والبناء والزراعة في مستوطنات الضفة الغربية وفلسطين الـ48، ناهيك بالكثير من الشركات التي تستورد شتى أنواع السلع من المستوطنات. 

لكن إذا وضعنا الشركات الربحية جانباً، فإنّ النروج تشغّل عشرات الآلاف في قطاع الإغاثة العالمية والمؤسسات غير الحكومية المموّلة من الدولة ومن عامة الشعب. في استطلاع لدائرة الإحصائيات في الدولة، يدعم 90٪ من الشعب النروجي قطاع الإغاثة. وبالفعل، تشرف الدولة على حملة تبرعات وطنية عبر التلفزيون، وقد جمعت هذا العام تبرعات وصلت إلى سبعة وعشرين مليون يورو ستذهب إلى مؤسسة Save the Children التي كان موقفها منذ بدء الحرب على غزة داعماً للشعب الفلسطيني. كما رافقت فريق الضغط السياسي الذي يلتقي بالسياسيين وأعضاء البرلمان، إلى جانب لجنة فلسطين وغيرها من المؤسسات الإغاثية الكبرى. كذلك فإنّ العديد من رؤساء مؤسسات ضخمة في قطاع الإغاثة العالمية يتكلمون بكل شجاعة عما يحصل في فلسطين على شاشات الإعلام العالمي، كرئيس NRC يان إغيلاند والطبيب مادس غيلبرت من مؤسسة NORWAC الذي عمل في غزة عند كل حرب، والذي ينتظر منذ أسابيع في القاهرة كي يدخل غزة. 

أمّا في القطاع الثقافي، فنجد أن المؤسسات الكبرى تأخذ مواقف مائعة وغير واضحة أو تتجاهل الحرب كلياً. الجامعات والمتاحف والأطباء والحقوقيون صامتون بغالبيتهم، والإعلام أيضاً يشيح النظر قدر الإمكان عما يحصل في غزة وفلسطين. وقد سمعنا عند بدء الحرب من إعلاميين يخبروننا سراً أنهم تعرضوا لمضايقات من أرباب العمل لكونهم متضامنين مع فلسطين. ولكنّ أعداد من يتجرأون ويأخذون مواقف علنية يزداد، وكذلك الضغط على الحكومة للمطالبة في اتخاذ موقف أكثر حزماً من إسرائيل. أما الطلاب، فينظمون نقاشات كبيرة وطاولات حوار ويشاركون في التظاهرات. كما نعمل اليوم على تحصين الفضاء العام من الوقوع في تهمة اللاسامية المستعرة في أوروبا. هناك محاولات لاستعمال هذه التهمة في النروج ولكنها لم تسفر عن أي نتائج بعد. على العكس من ذلك، رفضت محكمة في مدينة أغدر النظر في قضية تتّهم أفراداً باللاسامية لتعليقهم علم إسرائيل تتوسّطه السواستيكا في ساحة عامة، كون عملهم  يحميه قانون حرية التعبير عن الرأي.


بالرغم من أنّ النروج تبدو أفضل من بلدان أوروبية أخرى في أنها لا تحاربنا في وقوفنا إلى جانب فلسطين، لكنّ ما يقلقنا كثيراً هو احتمال صعود اليمين إلى سدّة الحكم سنة 2025 وتداعيات ذلك على قدرتنا على التحرّك والكلام كما نريد في البلد. 

سلسلة

فلسطين عالميّة

الآن، وأكثر من أي وقت مضى، فلسطين عالميّة. لا نعني بذلك أن القضيّة الفلسطينية «قضية إنسانية» فحسب، أي جامعة بتجرّد عدالتها، بل فلسطين عالمية لأنّها، بالإضافة إلى عدالتها الجامعة، باتت قضية تقسم العالم بين أشكال مختلفة من التضامن دولياً ومحاولات مركّزة لإسكاتها وتجريمها.

يتقصّى ملفّ «فلسطين عالميّة» جوانب مختلفة من أشكال المواجهة الدائرة اليوم في المدن والجامعات والنقابات والمؤسسات والمدارس والمتاحف والصحف وفي اللغة نفسها. ومن خلال ذلك يسعى الملفّ إلى أمرين: الأوّل، نقل تجارب شخصية واختبارات عينية، تبتعد عن المقولات الجاهزة والهلامية، عن الغرب مثلاً. والثاني، ربط تجارب مختلفة ببعضها بعضاً، لإظهار تداخل المواجهة الحالية مع سياقاتها السياسية والاجتماعية في المجتمعات التي تشهد تلك المجابهات.

غزّة في أميركا الشماليّة | تحليل
غزّة وعصر «المحارب» القادم | تحليل
البحث عن اسمٍ للحرية | نقد
حدود الديمقراطية الألمانية وضوابط الفنّ المعاصر | حديث

آخر الأخبار

اجتياح رفح 
الإفراج عن الأكاديمية نادرة شلهوب كيفوركيان
خوفاً من مذكّرة اعتقال دولية
هكذا يعذّب الاحتلال الدكتور إياد شقّورة
جندي إسرائيلي يسرق جرواً من أمّه
إسقاط 3 مسيّرات في أصفهان