نظرة أزمة الذكورة
ميريم دلال

الأب، صورة غير شعبيّة من الحرب الأهلية 

عن تبِعات مقولة أنّ «الرجال يصنعون الحرب»

2 نيسان 2023
صورة بعدسة دون ماكولين، أحد المصوّرين الأجانب الذين سُمح لهم بتوثيق مجزرة الكرنتينا، في كانون الثاني 1976. يظهر فيها وبحسب العنوان الفرعي، رجال فلسطينيون اعتقلهم مسلّحون مسيحيون.

خلال بحثٍ أعددتُه عن أرشيف صور الحرب الأهلية اللبنانية، وعن تتبُّع صور الحرب غير المنشورة وغير المعروفة مقابل تحليل تلك الأكثر إنتشاراً وتناقلاً، كان من اللافت أنّ غالبية الصور المُراد منها تجسيد الضحية، هي لنساء عموماً، وللأمّهات بشكلٍ خاص، ما استدعى التمعّن في تبِعات هذا الميل لترميز المرأة كضحية، ومنها كيف أنّ تلك النمطية الإستاتيكية (الجمالية) قد طمست صور الأب الضحية في الحرب.


في هذه الصورة لدون ماكولين محاولة لإعادة صورة مخفية قسراً إلى الواجهة. حالها حال الكثير من المشاهد التي تستحق الظهور، ولو بعد حين.

تقف مجموعةٌ من الرجال مقابل حائطٍ اسمنتيٍ ممتدٍ على عرض الصورة الأفقية، باللّونين الأسود والأبيض. يتصدر هذا الخط المائل من الرجال، رجلٌ أربعينيٌّ محاط بشابّين يافعين، يميناً ويساراً، يتوسّطان بموقعهما المسافة التي تفصل بينه وبين المجموعة الخلفية من الرجال. يمسك كلٌ من الشابين بإحدى ذراعَي الرجل الأربعيني المرفوعة إلى الأعلى. 

تتجانس الأضداد في هذا المشهد تماماً كتواجه اللونين الأسود والأبيض المكوّنين لصورة ماكولين، وتقف بذلك التناقضات بواقعيةٍ فظةٍ على مقربة من أعين الرائي: بدايةً مع الحائط الاسمنتي وجموده في خلفية الصورة، مقارنةً بالمجموعة المتحركة من الرجال أمامه.

أو كيف ينقسم نصف هؤلاء بين مَن يواجهون كاميرا المصوِّر رافعين أيديهم إلى الأعلى، ومَن يديرون ظهرهم للمصوّر ساندين الحائط برأسٍ مطأطأ ويدين مكتّفتين خلف الرأس.

وفي تقسيم الصورة بحسب النسبة الذهبية، ينصبّ التركيز على رأس الرجل في المقدمة من جهة، ورأس الشاب اليافع من جهة أخرى، ليكونا بذلك نواة اللقطة وقلبها.

هنا أيضاً، ينقسم المشهد بين الرجل الأربعيني بشعره القصير وشاربه الأسود وفمه المطبق وحاجبَيه المنخفضين ونظرته المتجهة نحو يسار الصورة وهندامه الداكن الأحادي اللون وحجمه الضخم الثابت أفقياً في موقعه، من جهة، والصبي اليافع ذي الشعر المجعّد وفمه المفتوح وحاجبيه المرتفعين، ونظرته المتجهة إلى يمين الصورة، وهندامه الفاتح والمزركش الذي يفضح بطياته حركة الصبي المضطرب، من جهة أخرى. وفي حين ينظر هو نحو عدسة المصور، يمكننا التقدير بالنظر إلى وضعية الاستسلام التي يبيّنها الرجل، أنّ نظرته تتّجه نحو من «يهدّد» المجموعة.

يذكّرني هذا الرجل بأبي لدرجة تدفعني إلى التقدير بأن علاقة أبوة تربطه بالصبية على يمينه ويساره. تعود لذهني ذكرى يوم بداية عملية عناقيد الغضب في نيسان 1996، يوم كنا نسكن في بئر العبد (ما يعرف بالضاحية الجنوبية لبيروت)، ويوم ذهب أبي مسرعاً لإحضار أختي من المعهد بعدما علم ببداية العدوان الاسرائيلي؛ لم أكن حاضرة، ولكن رواية الحادثة كوّنت عندي مشهداً ملحميّاً يظهر فيه بابا متحدّياً قطع الطرقات في تلك المنطقة، متوسّلاً الأمن السماح له بالعبور مشياً، حتى يتمكن من إحضار ابنته وإعادتها إلى المنزل بأمان. 

في صورة ماكولين، يبدو واضحاً من ملامح وجه الأب يقينه بما سيلحق بهم بعد لحظاتٍ من رحيل المصوّر الأجنبي عن المكان.

أبحث عن مذكّر كلمة ثكلى …

تختلف نظرة الابن الذي يحدّق في عدسة المصوّر المتلصّصة، إذ أنه ما زال خائفاً من مجهولٍ يحاول فهمه.

لماذا تصوّرنا؟ وهل هذا يعني أنّ الوضع أسوأ ممّا شرح لنا البابا وممّا فهمت حتى الآن من النظر حولي؟ مَن أنت ولماذا لست واقفاً معنا في هذه الجهة؟

أما بالنسبة للأب، مع نظرته الثاقبة الموجّهة نحو قاتله والتي لم يعد بإمكانها أن تكذب، فيحاول الإمساك بيد ابنه الأصغر المحتمي خلف جسده لجهة اليمين، بهدف طمأنته، كمن يقول لولده:

أنا هنا معك، لن أتركك ولن أفلت، لا تخف، ها أنا واقفٌ متماسكاً في وجه الخطر، ما يعني أنّ كل شيء على ما يرام حتى الساعة.

تماماً كما تصف ديما عبد الله في روايتها أعشاب ضارة «عملاقها» (الأب)، وكيف، بتشبّث يدها بأحد أصابعه الكبيرة، تتأكد من العبور في أروقة الحرب والفوضى دون خوف.

يقال أمّ ثكلى... هل سمعنا بوصف أب ثاكل؟

كل مرة أنظر فيها إلى تلك الصورة، أذكر كيف كان أبي يوزع علينا حبّات البونبون/الحلوى كلّما أغار الطيران الإسرائيلي ليلاً على محطة الجمهور أو المطار أو الجية في الأعوام التي سبقت التحرير.
كنا نجلس في باحة مدخل الطابق الخامس للمبنى الذي كنا نقطن فيه، مع أولاد الجيران من الجهة المقابلة لبيتنا. على أدراج ذاك المبنى، كان أبي يأتي بعلبةٍ من السكاكر بأغلفتها الملوّنة ليوزّع على كلٍّ منّا حبّة. كنّا نعلم أنّ السكاكر لن توقف الطيران، ولن تنقذنا، لكنّنا كنّا نطمئنّ لرؤيته هادئاً ومبتسماً. كان يعلم أنّ تصرّفه المازح هذا كفيل بتهدئة قلوب أطفال تخفق بقوة تفوق قدرة تحمّل أجسادهم النحيلة.

قد نذهب حتى في تحليل معطيات الصورة إلى التقدير من مظهر الصبي وملبسه بأنه قيل له يومها:

ارتدِ أحلى ما عندك لنخرج في نزهةٍ مهمة، علينا أن نظهر بأبهى وأرقى مظهر. 

وكأنّ من طلب ذلك أراد للفتية الصغار أن يخرجوا مطمئنّين، متأمّلين بنزهة نحو الأفضل. أو لعلّه اعتقدَ أنّه قد ينجح في إقناع من يرى فيهما مصدر تهديد، أنّ في لياقتهما فرصةً لتبديد الخطر، ووسيلة للتفريق بينهم وبين المقاتلين؟
فذوو السترات والسراويل لا يشكّلون خطراً…


في 18 كانون الثاني 1976، ومع استمرار حصار الميليشيات الفلسطينية لبلدة الدامور، قامت الميليشيات المسيحية بهجوم داخل ضاحية الكرنتينا- شمال بيروت (ضاحية يسكنها فلسطينيون بشكل رئيسي). وبحسب شهاداتٍ لمصوّرين صحفيّين لبنانيين، سمحت تلك الميليشيات للمصوّرين الأجانب فقط، المرتبطين بالوكالات الأجنبية، بتوثيق المجزرة.
في مثل ذاك اليوم، وعلى بعد أمتارٍ قليلةٍ من موقع ماكولين وتلك الصورة، كانت فرانسواز ديمولدير قد التقطت صورةًَ لامرأة مسنّةٍ ومحجبةٍ، تتوسّل مقاتلاً مليشيوياً السماح لها وللأطفال خلفها بالعبور وترك المخيم. 
قد تعود إلى ذهن القارئ تلك الصورة من دون الحاجة إلى إرفاقها بالمقال، إذ أنّها من أشهر صور الحرب الأهلية اللبنانية التي ما زالت تتصدّر حتى يومنا هذا كل وثائقي، مقال، أو احتفالية بذكرى الحرب. الصورة، حازت الصورة على جائزة الوورلد برس فوتو لعام 1977ورغم سوداويتها، كان لها «نهاية سعيدة». ذلك أن المقاتل سمح «للحاجة» ومن معها بالعبور، بحسب ما روت المصورة ديمولدير لاحقاً. أما صورة ماكولين، وبحسب عنوانها الفرعي، فقد قُتل في غضون ساعات كلّ من كان فيها، وأُحرقت جثتهم. 

تعود إلى ذهني مشاهد كثيرة من التلفزيون، فيها نساء يرقصنَ أمام نعوش أولادهنّ ويلوّحن بصورهم، ثم أتذكّر كيف قيل لي إنّ أبي رقص أمام كفن أخي ملوّحاً بمنديل.
ولكن يبدو أنّ لـ«طقوس الموت» جندراً في عالم الإعلام.

يصعب التأكّد اليوم من تصفية الأشخاص في صورة ماكولين، نظراً لمغادرته المنطقة وعدم توثيقه لفعل الإحراق. يعود هذا إلى كون تلك المجزرة، بالمناسبة، هذه هي المجزرة التي بني ملهى B018 على رفاتها.وغيرها ممّا ارتُكب في سنوات الحرب الأهلية (اللامتناهية)، لم يوثَّق- بل لم يُرَد له التوثيق.


لكن بعيداً عن هذا الجدل، وبالنظر إلى قوة تلك اللقطة (جمالياً وفي ما توثّقه)، يبقى السؤال: لماذا لم نرَ تلك الصورة من قبل، وما السبب وراء عدم «شهرتها» مقارنةً بغيرها؟ 

عموماً، يمكن النظر إلى عدة أسباب قد تؤثر في اختيار صورة فوتوغرافية للنشر، ومن ثم إلى تنقّلها بين الوكالات، ولاحقاً إلى الاستمرار باستعمالها حتى تصل إلى حدود تسمية «الأيقونة»، أي أن تختصر حدثاً ما وتمثّله بمجرد النظر إليها.
في تحليل الصور الأكثر استعمالاً للدلالة على الحرب الأهلية اللبنانية، وبعد البحث الذي أعددته مع مجموعة من المصوّرين اللبنانيين لتبيان النزعة الشائعة لتصوير صور «مؤثّرة» و«مطلوبة» للحرب بين سنوات الـ1975 والتسعين، يتبيّن أن الأفضلية والأولوية كانت لتظهير المرأة بصورة الضحية الأوحد. تجدر الإشارة إلى أن هذا التوجّه لم يكن محصوراً بلبنان، إذ أن المعايير الجمالية للصور مستقاة بغالبيتها من رموز غربية دينية متوارثة في اللاوعي الثقافي، تحديداً صورة مريم العذراء لدى تمثيل المرأةوهي بذلك تستقبل بسهولة أكبر صورة «الأم» كضحية، كنمط متعارف عليه صورياً.
مراد هذا الاستعمال أيضاً يعود جزئياً في القول إن «تلطيف» صورة الحرب يمرّ عبر صورة المرأة، وأن «الرجال يصنعون الحرب»، وبذلك، يصبح كل الرجال مقاتلين وكل النساء ضحايا، بهدف تسهيل قراءة الصورة وسرعة فهمها عبر ترميز عناصرها. 

ربّما لتلك الأسباب، لم تعرف الكثير من الصور لآباء ضحايا شبيهين بأب صورة ماكولين تلك، كصورة كامل اللمع التي يظهر فيها الأب ممسكاً بيدي أولاده بينما يحتمون تحت الجسر…

أو لتلك الأسباب أيضاً، أسكتنا صوت كل الأباء الذين «ما راحوا مع العسكر»، الذين لهم حصة من الذاكرة الجماعية، ويبقى توثيق تاريخهم الشفوي واجباً. أو، كمثل الأب الضرير الذي يبحث عن ابنه المفقود في يوميات حرب لبنان:


ربّما في تنميط عبارة «الرجال يصنعون الحرب»، في حصرها للقتال بالرجال والضحية بالنساء، نساهم في تسطيح الحديث عن الحرب وعن الجندر معًا. فمن جهة، نحوّل الحرب من حدث سياسي إلى عنف ذكوري، حتى وصل الأمر بالإعلام الفرنسي أن خصص حلقة في الأيام الاولى للحرب الروسية على أوكرانيا للحديث عن عجز فلاديمير بوتين الجنسي كسبب من أسباب الحرب. ومن جهة أخرى، نلخّص الرجال وتلاوين مشاعرهم وأدوارهم بصورة المقاتل. 

البكاء، الحزن، الخوف، عدم الرغبة في القتال، الموت، كلها صور تتخطى الصور النمطية للرجل التي تضعه خارج تصنيف الإنسان.
أليست هذه الصورة النمطية التي اعتمدها الميليشياويّون لتصفية الواقفين أمامهم يومذاك؟ باعتبار أن كل صبي تجاوز الـ13 يعدّ مقاتلاً وبالتالي عدو؟ أليست نفسها الحجّة الإعلامية التي حصرت التعاطف في الصوَر بالمرأة الضحية باعتبار أن كلّ رجل جلاد؟ وبالتالي سهّلت حكم المشاهد على هؤلاء؟ وعليه، ألم تساهم تلك الصور والتآلف مع معاييرها التنميطية، في تقبّلنا نحن لتلك التصفيات؟ وبالتالي، لتحليل قتل ذاك الرجل الأربعيني في صورة ماكولين؟

هذا النص جزء من ملف «أزمة الذكورة وسؤال الذكور: ماذا يعني أن تكون رجلاً» والذي ينشر ضمن سلسلة «العمل النسوي وأسئلته المتجددة» بالتنسيق مع شبكة فبراير.

آخر الأخبار

بعد الاعتراف بدولة فلسطين وزراء إسرائيل ينتقمون من الفلسطينيّين
علم فلسطين في مهرجان «كان» 
تعليق

الموتوسيكل في وجه «الدولة»

سامر فرنجية
الاحتلال يستهدف زوارق الصيادين في رفح
سيناتور أميركي يستدرك: سوف تلاحقنا المحكمة بعد إسرائيل
اتّهام المخابرات المصرية بإفشال المفاوضات بعد خداعها إسرائيل وأميركا