قضية الأسبوع مجلس النوّاب
ميغافون ㅤ

الجلسة التشريعية الأولى لمجلس مدّد لنفسه

لجان تُفخِّخ ومجلس يُلغي نفسَه

18 تموز 2026

عودة التشريع في ظلّ الحرب

في أوّل جلسة تشريعية لمجلس النواب بعد تمديد ولايته، عاد نوّاب الأمّة إلى الفولكلور المعتاد لتلك الجلسات، من صراخ وتعديلات آخر لحظة وانسحابات ليلية. لكنّ صخب النواب وهم يتقاتلون حول تعديل من هنا أو نقطة نظام من هناك، لم يكن كافياً ليغطي على السياق السياسي للجلسة، وهو الحرب الدائرة في البلاد، والغائبة عن النقاشات. الحرب، ومن ورائها الأزمة والانهيار اللذان باتا في خلفية النقاشات. 

أظهرت أوّل جلسة تشريعية انقطاع صلة الوصل بين مجلس النواب والسياق السياسي في البلاد. لكنّها كشفت أيضًا عن كيفية العمل التشريعي في هذا النظام المهترئ. فمن جهة، هناك لجان نيابية تضمّ ممثّلي كافة الأطراف السياسية، تفخّخ، غالبًا في اللحظة الأخيرة، مشاريع القوانين، ومن جهة أخرى، هناك مجلس نواب يعمل كصمّام أمان للمصالح والحسابات السياسية من خلال لعبة التعطيل والنصاب. 

الحرب، ومن قبلها الانهيار والأزمة، لم تكن كفيلة في تغيير الممارسة التشريعية التي ما زالت تعمل حسب منطق المحاصصة والمصالح اللذين كانا سائدين في الماضي. 

«قانون إصلاح أوضاع المصارف» وعودة سلطة الحاكم

ما زال المسار الطويل للخروج من الأزمة المالية يترنّح عند محطة إصلاح القطاع المصرفي. وبعد تقديم اقتراح قانون إصلاح أوضاع المصارف من قبل الحكومة، عادت لجنة المال والموازنة وأدخلت تعديلَيْن، خلافًا لرأي الحكومة وصندوق النقد. وتراهن اللجنة من خلال ألاعيب الصياغة على «بلف» الصندوق الدولي. 

التعديل الأول (المادة 3)، يحدّ من دور الهيئة المصرفيّة العليا في تنظيم أوضاع القطاع المصرفي، أمّا التعديل الثاني (المادة 13)، فيعيد تحديد صلاحيات الهيئة المصرفيّة العليا من «طلب» إصدار التعاميم، إلى «التوصية بإصدارها».

مع إقرار هذين التعديلين، تكون لجنة المال والموازنة قد أعادت منح حاكم مصرف لبنان الصلاحيات التي سبق أن أُعطيت للهيئة المصرفيّة العليا، وكأنّ نوّاب لجنة المال والموازنة، وجلُّهم من اللوبي المصرفي، مصرّون على عدم الاستفادة من دروس الانهيار الاقتصادي وسوء استخدام حاكم مصرف لبنان السابق لصلاحياته. لعبت اللجان النيابية دورها في تفخيخ القانون في اللحظة الأخيرة، تفخيخ لم تنجح في فرضه مصالح المصارف على الحكومة أو الرأي العام. 

«قانون الإعلام» وعودة التهديد بالسجن

لجان نيابية أخرى لعبت دورها، هذه المرة، في ما يخصّ اقتراح قانون الإعلام. فبعد أكثر من عقد ونصف من النقاشات، شهدت الكثير من التعديلات والنقاشات، كان على «اقتراح قانون الإعلام» أن يُعرَض كما هو على الهيئة العامة لمجلس النواب. وقد أدخل هذا الاقتراح، بالفعل، إصلاحات مهمة على منطق إدارة القطاع الإعلامي، وأهمّها إلغاء الملاحقات الجزائية والعقوبات السجنية والتأكيد أنّ قضايا الإعلام من اختصاص القضاء المدني وليس الجزائي. 

في اللحظة الأخيرة، أدخلت لجنة الإدارة والعدل إضافة خطيرة على نص الاقتراح، سرعان ما تبنّتها اللجان النيابية المشتركة. فالمادة 104 باتت تنصّ على معاقبة من يقوم بـ«اختلاق أضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية» بالحبس لمدة قد تصل إلى ثلاث سنوات، مع إمكان تشديد العقوبة إلى الأشغال الشاقة. 

مع إقرار هذا التعديل، يكون المشرّع قد أعاد إشهار سلاح السجن في وجه حريّة الإعلام، من خلال هذه الفقرة الفضفاضة التي تعاكس جوهر القانون والنقاشات التي سادت على مدار السنوات الماضية. 

«إلغاء عقوبة الإعدام» ضحية «العفو العام»

فيما فخّخت اللجان النيابية اقتراحات القوانين، تولّى مجلس النواب التأكيد أنّ ما من قانون يمكن أن يُقَرّ من دون إجماع سياسي حوله، إجماع بات أقرب إلى عملية ابتزاز إداري، تتشارك في استخدامه كافة القوى السياسية. 

كما كان من المتوقع، شكّل اقتراح قانون العفو العام نقطة الإشكال أو «الشمّاعة» التي فجّرت الجلسة بأكملها، ومعها الاقتراحات الأخرى. فعند الوصول إلى الموضوع الإشكالي، كان سلاح النصاب جاهزاً لتعطيل الجلسة. جاء هذا التعطيل على يد كتلة القوات اللبنانية، ومعها بعض النواب السنّة، اعتراضًا على الصيغة الحالية لاقتراح قانون «العفو العام». ومع انسحاب النواب، عُلِّقت الجلسة، ومعها البنود المتبقية، ومن بينها اقتراح قانون الإعلام وقانون إلغاء عقوبة الإعدام. 

عاد التعطيل، تحت غطاء ميثاقي أو إداري، ليذكّر بأنّ المؤسسات الدستورية ليست بمنأى عن النكايات السياسية. كما أظهر أن هذا السلاح ليس محصورًا بطرف واحد، بل بات من قواعد اللعبة اللبنانية. وضحية هذا التعطيل ليست مجموعة من اقتراحات القانون، بل مبدأ التشريع نفسه، حتى لو كان الثمن سقوط اقتراح قانون إنساني، يحظى بإجماع عام، وهو اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام. لكن يبدو أنّ مصالح المشرِّع أنبل من هذه القضية. 

التشريع كحقل تفاوض بين مصالح

لا أحد يعتقد بسذاجة أن التشريع يقوم على المصلحة العامة، وكأنّ المشرعين في منأى عن المصالح المتعددة في المجتمع. ولا أحد كان يأمل الكثير من مجلس مدّد لنفسه. لكن ربّما كان هناك بعض الأمل بأنّ خطورة اللحظة الراهنة ستفرض بعضًا من الجديّة على نواب الأمّة، وتُدخل القليل من حسّ «المصلحة العامة» في النقاشات التشريعية. 

لكنّ ما أظهره اليومان التشريعيّان هو دور مجلس النواب في النظام اللبناني، وهو أن يشكّل صمام أمان المصالح الاقتصادية والسياسية في البلاد. فبين دور اللجان النيابية كحاجز أخير للمصالح ودور مجلس النواب كضامن للإجماع الابتزازي السياسي، من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، لأي مشروع إصلاحي أن يقطع كافّة محطات التشريع. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
قضية الأسبوع

الجلسة التشريعية الأولى لمجلس مدّد لنفسه

ميغافون ㅤ
حدث اليوم - الجمعة 17 تموز 2026
17-07-2026
أخبار
حدث اليوم - الجمعة 17 تموز 2026
إعمار غزة: من الريفييرا إلى المخيّم
17-07-2026
أخبار
إعمار غزة: من الريفييرا إلى المخيّم
هكذا ابتلع مستوطن واحد أراضي ابراهيم الجبور
17-07-2026
تقرير
هكذا ابتلع مستوطن واحد أراضي ابراهيم الجبور
كيف تضافرت الجهود لتطيير نصاب الجلسة التشريعية؟  
17-07-2026
أخبار
كيف تضافرت الجهود لتطيير نصاب الجلسة التشريعية؟  
«رويترز» تتراجع عن نشر خبر