مراجعة موسيقى
زياد الدلال

الغناء في الأيّام المُظلمة

13 أيار 2023

طلّ علينا مازن السيّد بألبوم مُقتضب تحت إسم «هُدْهُدْ» وبفيديو كليب لأوّل أغنية من الألبوم، «خفّاش»، ببطولة صالح بكري وإخراج جمال الأعْوَر. عوّدنا الراس على كلماته الشعرية التي تمزج العربية العامية والفصحى، والتي تستفيد من علمه الرصين بالتراث العربي ومن قراءته السياسية للواقع. فغالبًا ما تستجيب أعمال الراس للأوضاع الراهنة وتسجّل الحالة الإجتماعية وهيكلتها الشعورية.

(2023) غلاف ألبوم «هُدْهُدْ» للراس

كانت انطلاقة مسيرة الراس الموسيقية قد بدأت مع «كشف المحجوب» (2012) و«آدم، داروين والبطريق» (2014)، الألبومان اللذان رسّخا وعبّرا عن الجوّ الثوريّ في بداية الثورات العربيّة. في بدايات هذه المسيرة الموسيقيّة، برزت أغانٍ مثل «بركان بيروت» و«من ثائر» و«تخيّل» و«عُشق» و«كشغرة» و«صنم ورا صنم» لتحدّد وتعرّف عن الهوية الثورية الجديدة. مرّت هذه المسيرة عبر مرحلة الثورات المضادة ونهضة داعش في «إدارة التوّحش» (2016) و«بعد الهزيمة» (2018)، فظهرت أغاني مثل «إسلامي» و «تما يقولوا عنّا» من «إدارة التوّحش» لتثبّت مذهب العشق التي تمشي عليه هذه الهوية الجديدة. 

منذ 2020، يقوم مشروع الراس الموسيقيّ على صياغة فلسفة شعرية وموسيقيّة مُخلصة للمذهب الثوريّ الكامن في قلوب الشعب العربيّ. إذا كانت الثورات المضادة قد هيمنت على الروايات والسياسات الرسمية، فتقف أغاني الراس وقصائده ضدّ هذا الخطاب الرسميّ. في هذا الصدد، نسمع في «باب الدخول» أغاني مثل «هلّلويا» و«القلب المطاطيّ» و«المقص» التي تسجّل وضوح «اللحظة الأولى» في ثورة تشرين حيث يكون «الإنهيار حامل تغيير وخطورة». كما نسمع في «أرض الخوف» (2022) توصيفًا ساخرًا للحالة الاجتماعية في مجتمعٍ يتهاوى تحت انتفاضات مستعصية. نسمع في «فرناس» الراس يغني قائلًا خلصنا عالبنزين وماشيين عالإيمان، وفي «دودو» يغني عايشين عالسريع ببلاد الموت البطيء، وفي «فودكا وسيريلاك»، يسخر من القابض بالبتكوين ببلاد ما في كونكشن.

 


يُكمل الألبوم المُقتضب «هُدْهُدْ» موسيقيًا وشعريًا على مسار هذا المذهب عبر التطرّق لضرورة التمسّك بالنزعة الثورية في ظلّ- وبالرغم من- هشاشة الحياة المعاصرة. فإذا كانت الثورة المتكاملة شبه مستحيلة، يقدّم لنا الراس الكائنات الطائرة كمجاز للإستمرار على طريقِ ثورةٍ دُفِنَت ولكن ما زالت تَنْبض مثل جمرةٍ، ترمز لآثارِ مستقبلٍ يُتخيَّل ماضيه، أي حاضرنا، مع كل كلمة وكل إيقاع موسيقيّ. والراس الذي هو أيضًا البطريق، يستشهد بالخفّاش الليليّ والبومة الرصينة والباز الصيّاد والهدهد المُنَبّئ، مركّبًا فرقةً قادرةً على استذكار المستقبل الموعود والصمود في وجه الحاضر المرير ضمن أخلاقيات وآمال النار الأولى الثورية.

 

تبدأ أغنية «خفّاش» بكلمات تستحضر الكوارث المتعدّدة والموت المتكرّر التي يشهده عالمنا: 

كم مرّة شهدنا القيامة 
أنا وحالي ميّت قدامي. 

بهذه الكلمات تعترف الأغنية فوريًا بتشاؤم العقل والضرر الذاتي الآتي من هذه المآسي المتتالية. وتتضح هنا كلمات أبن خلدون التي تفتتح الأغنية والألبوم: 

ولا يَتَفَطّن لها إلا البصير من الناس فيجد من هذه الصنائع آثارًا تدلّه على ما كان بها كأثر الخط الممحو في الكتاب. 

كما كتب ابن خلدون عن آثارٍ وخرابِ حضاراتٍ مَضَت، يغنّي الراس عن حالة مشابهة في عالمنا اليوم. فنحن، مثل المتكلّم، نعيش ضمن آثارٍ في حاضرٍ مطاول، نراقب الخفافيشَ وندرس دورانها كي نَعْلم بالبؤس الآتي ونستَعِدُّ للإستجابة إما في الكرِّ او الفرِّ. يتضّحُ هذا في لازمة الأغنية، حيث نسمع الراس يغنّي قائلًا: 

دقة قلبي رجّت تختي مش هزّة 
محضّر شنتة فيها فلوسي والكنزة 
بحط عضهري مع ادويتي والكلبة 
طلعت مش هزة بس ما وقفت دقة قلبي لا أدري 

الالتباس القائم بين دقات القلب وإرتجاج الهزّة يدلّ على حدّة الريبة والقلق وضرورة استعداد الفرد لكل حدث قد يقع. 

يسجّل الفيديوكليب هذه الحالة عبر الحركات الموزونة لصالح بكري التي تذكّر بحشرجة الموت والارتياب الذي يسكننا في عزلتنا اليوميّة. فنرى بكري ينظر حوله مُوَسْوِسًا، يحاول أن يحاربَ أشباح ماضيه وأن يحمي نفسه من الخطر الخارجيّ. يتناسق تحرّك صالح بكري مع عمل الكاميرا واختيار عدسات تشوّه المنظور. وإذا كان الفيديو يسجّل حالة الريبة هذه، فكلمات الأغنية تدعونا لإعادة النظر فيها.

فتشاؤم العقل هذا، أو «السوداوية» التي يصف بها الناس المتكلّم، تلاقي نقيضها في تفاؤل الإرادة، فهذا المتكلّم السوداويّ يعالج المرض بدوائه، ويلحق البكاء بالالتئام وبالنقاشِ وبالضحكِ. في هذا التفاعل الجدليّ مع المآسي نسمع استعداداً للتحدّي والتفاعل مع كلّ واقعة. وهذا التفاعل مربوط بحبل يثبّته بمغزى الثورة. التعبير عن القهر والآمال غير المتحقّقة لا يؤدّي إلى اليأس، بل يؤكد للمتكلّم أنَّ 

قلبي عنار عم يغلي بالقدرة 
ثابت عالثورة 

الكائنات الطائرة التي تربط أغاني الألبوم تدلّ على التحذير والتذكير. نلاحظ أنّ الألبوم يعمل كتذكار بالقوّة الموجودة في كلٍّ منّا. فهذه القوّة الكامنة تغلب النار الكاوية، كما أنّها قوّة العشق التي لا تُكبح. في أغنية «جميع القدّيسين»  يقتبس الراس أغنية «عشق» من ألبومه الأوّل ليؤكّد تحذيره، هيهات أن يُضام العاشقون والحرُّ لا يهان. الرسالة ما زالت نفسها منذ 2012 إلى الآن: الحرية والعُشق معًا يؤكّدان على ثبات النزعة الثورية بالرغم من مأساة العالم. 


قد نتساءل عن أهميّة الشعر والغناء في وسط المآسي المتعدّدة، ولكن نتذكّر أيضًا كلمات برتولد بريشت الذي حذّرنا من الأيام السوداء الخالية من الشعر حين كتب: 

ولكن لن يقولوا: إن الأيّام مُظلمة. بل سيقولون لماذا صمت شعراؤهم؟ 

وحين سأل بشعره، 

في الأيام المظلمة هل سيوجد الغناء أيضًا؟ نعم، سيوجد الغناء أيضًا، الغناء عن الأيّام المظلمة. 

تحت أمر الواقع الراهن، حيث من السهل أن نيأس من عالمنا العربي الفقير والمكبوت والمقهور والمُثقل من كل القمع المكبوب عليه، وبعد فشل التيار التغييري الإصلاحي بأن يحقق أدنى المطالب، فضلًا عن العنصرية المقزّزة تجاه اللاجئين في لبنان وشيطنتهم ككبش فداء في هدف إلهاء الجميع عن الأسباب الحقيقية للأزمات، نحتاج لجميع القدّيسين كي لا ننجرّ تحت تيّار هذا النقاش العنصريّ العقيم. 

يَنْظُم ويغنّي لنا الراس عن هذه الأوقات الحالكة، ويساعدنا على فهم الواقع الحالي وتخيّل واقع مغاير، شعرنا به في لحظاتٍ أوّليّة سريعة، وما زلنا أوفياء له. وإذ شعرنا أنّنا خسرنا كلّ شيء ولم يبقَ هناك ما نحارب من أجله، تبقى معنا أغنيات وكلمات مازن السيّد، المُسمّى بالراس، التي تسترجع لنا القوّة التي شعرنا بها والوضوح الذي تمتّعنا به في الشارع، والتي تذكّرنا بمستقبلٍ رأيناه في الأفق، وما زلنا نحلم به كل ليلة، بجانب الطيور الساكنة في شجرةٍ خارج النافذة وفي قلوبنا العاشقة للحياة. 

آخر الأخبار

تعليق

الموتوسيكل في وجه «الدولة»

سامر فرنجية
الاحتلال يستهدف زوارق الصيادين في رفح
سيناتور أميركي يستدرك: سوف تلاحقنا المحكمة بعد إسرائيل
اتّهام المخابرات المصرية بإفشال المفاوضات بعد خداعها إسرائيل وأميركا
إيرلندا والنرويج واسبانيا تعترف رسمياً بدولة فلسطين
النرويج: سوف نعتقل نتنياهو وغالانت إن صدرت مذكّرات التوقيف