تعليق سجون
سامر فرنجية

بين غراسيا القزّي وعلي غادر

«قرينة البراءة» في وجه «التوقيف الاحتياطي»

30 كانون الثاني 2026

تعيين مدّعى عليها

تمّ تعيين غراسيا القزّي مديرةً عامة للجمارك. القزّي مدّعى عليها بملف انفجار مرفأ بيروت وملاحَقة بقضية فساد في الجهاز ذاته. رغم الاعتراضات، تمسّك العهد بالتعيين ودافع رئيس الحكومة عنه، متذرّعًا بمبدأ «قرينة البراءة»: قرينة البراءة هي ركن أساسي من أركان العدالة. وهذا يعني أنه ما لم يصدر حكم ضد أي شخص، فيحقّ له ممارسة حقوقه كاملة، بما فيها التعيين في الإدارات العامة. قرينة البراءة، حسب العهد، تعني أنّه يمكن لمدّعى عليه ومشتبه به أنّ يعين بمنصب إداري في الجهاز ذاته الذي شهد الجرائم المفترضة، وذلك بإسم براءة مفترضة.

انتحار مشتبه به

انتحر علي غادر، البالغ من العمر 36 عامًا، في سجن رومية «نتيجة اليأس» من انتظار محاكمته، والتي انتظرها أكثر من 61 شهرًا. كان يتوقع أن يحاكَم قريبًا قبل أن تتعطل مجددًا محاكمته بسبب إضراب. كان علي موقوفًا بتهمة سرقة، وبقي سنوات في السجن جراء مبدأ «التوقيف الاحتياطي». وعندما علم خبر التأجيل الجديد لمحاكمته، توجّه علي إلى حمام الزنزانة، وشطب كوع يده اليسرى، وغادر السجن نهائيًا. التوقيف الاحتياطي، حسب القضاء اللبناني، يعني تجريد أي مشتبه به من كامل حقوقه، بإسم تهمته المفترضة. 

تعذيب السجون

لم ينتحر علي لمجرّد تأجيل محاكمته، بل لأنّه ينتظر هذه المحاكمة في سجون لبنان، التي باتت أقرب إلى حكم إعدام لمدى الحياة. في الشهر الأخير، سُجِّلت 6 وفيات في سجون لبنان، جراء الظروف المأسويّة والإهمال الطبي والتقصير في إدارة السجون. الأمر ليس طارئًا، بل بات حقيقة هذه البقعة من الموت المؤقت. ارتفعت حالات الوفيات من 14 حالة في عام 2015 إلى الـ55 حالة السنة الماضية. واعتراضًا على هذا الوضع، أعلن مساجين رومية البدء بإضراب عن الطعام. هذه ليست المرة الأولى التي يحاول المساجين فيها الدفع بقضيتهم عند الرأي العام، من دون نتيجة، ليصبح الانتحار الحل الوحيد المتاح لمن لا يتمتع بقرينة البراءة، هذا الركن الأساسي من أركان العدالة.

التوقيف الاحتياطي

مشكلة السجون ليست نابعة من أزمة الدولة المالية أو انحلال مؤسساتها فحسب. تلك المشاكل تفاقم نظرة مشوّهة للعدالة، عنوانها «التوقيف الاحتياطي». فأكثرية السجناء اليوم، بين 70 و80٪ منهم، موقوفون وينتظرون محاكمتهم، ما يعني أنّهم ما زالوا بريئين ويتمتعون بقرينة البراءة. ومع بطء آليات المحاكمة، تتحوّل هذه المقاربة إلى السبب الأساسي للاكتظاظ في السجون، وبالتالي إلى سبب العبء الاقتصادي على الدولة. فقبل الأزمة المادية وضعف المؤسسات، هناك مفهوم سائد للعدالة يوزع قرينة البراءة على البعض والتوقيف الاحتياطي على البعض الآخر، يؤمن حقوقاً وترقيات للبعض قبل صدور الحكم، ويحكم على آخرين بمصير الموت البطيء قبل صدور الحكم. لا يتطلب الأمر الكثير لفهم الأبعاد الطبقية لهذا الخيار. 

هل يمكن لمن هو ميت أن يضرب عن الطعام؟

اعترض البعض على تعيين مشتبه بها، فتحركت كل الدولة لتفسير وتبرير الخيار بإسم العدالة. انتحر مشتبه به بعد وفاة آخرين، ولم يكترث أحد. وإن عادت مسألة السجون اليوم إلى الواجهة، فذلك جرّاء موقف الحكومة السورية التي دفعت بحلّ لمسألة «سجنائها» في السجون اللبنانية. فالمساجين، المتّهمون أو المحكومون منهم، لا حقوق لهم في مخيلة العدالة اللبنانية، بما في ذلك الحقوق البدائية الإنسانية. هم في أحسن الأحوال رعايا لبعض الجمعيات، وفي أسوأ الأحوال أقل من بشر، يستحقون مصيرهم، ويجب نفيهم إلى جحيم النسيان

وهنا تهمتنا نحن، كمجتمع قابع خارج جدران السجون. فعدم قدرتنا على التعاطف مع مَن يقبع في هذه السجون، وعلى رؤيتهم كأصحاب حقوق وكحيوات نستمر في تدميرها يوميًا بعدما طحنها مجتمعنا، هو إدانة لنا. هو إدانة لمجتمع يكافئ مشتبهاً بها في قضية انفجار العاصمة ويتجاهل انتحار شاب متّهم بسرقة. هو مجتمع فقدَ قرينة البراءة لاتهامه بفقدان أيّ حس بالعدالة. فالعدالة تبدأ من هناك، من مبنى الأحداث، خارج المدينة، من داخل هذه الجدران الوسخة، إلى جانب الصراصير وحول الوباء، عند هؤلاء المضربين عن الطعام. أي كلام آخر هو هراء، مثله مثل الكأس الذي رفعته مشتبهٌ بها بانفجار المرفأ تحيةً لفخامة رئيس الجمهورية بعد تعيينها مديرة عامة للجمارك. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
فنزويلا تفتح قطاع النفط أمام الشركات الخاصّة
4 نقاط صنعت الاتّفاق النهائي بين الحكومة السوريّة و«قسد»
غوارديولا: «تركنا غزّة وحدها»
تعليق

بين غراسيا القزّي وعلي غادر

سامر فرنجية
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 30/1/2026
قنوات على «تلغرام» تحوّل صور النساء إلى محتوى جنسيّ مزيّف