تحليل ثورة تشرين
سامر فرنجية

بيّ الكلّ / كلّ بيّ

26 تشرين الأول 2019

أسبوع على انطلاق ثورة 17 تشرين، «سقطت» حكومة العهد. هي لم تسقط ربما بالمعنى الضيق للكلمة، ولكنها باتت جثة مهرغلة على شكل ورقة إصلاحات رئيس حكومتها ومونتاج رئيس جمهوريتها. وفي لحظة تهاويهم، لم يجد المسؤولون السياسيون إلا خطاب «محاربة الفساد» و«إلغاء الطائفية» كمحاولة للخروج من مأزقهم. وهما شعاران فارغان يُعاد تكرارهما في كل مناسبة «وطنية».


«سقطت» حكومة العهد، ولكن لم يسقط مطلب الثورة، أي «إسقاط الحكومة». لم يسقط هذا الشعار لأنه لم يعد حصريًا ضد السلطة. فهو شعار موجه للعصيان، يجمعه ويمنع جنوحه نحو دهاليز البرامج المرحلية والمطالب الجامعة وخطط الإنقاذ والقيادات التفاوضية. سيبقى هناك من يعتبر نفسه ممثِّلاً للعصيان أو يقدّم خدماته لقيادة المرحلة الانتقالية. ولكنّ هؤلاء، كالحكومة، سقطوا من زمان، مجرّد مومياوات تواجه جثة.


في وجه هذا السقوط، يكمن الخطر في تلخيص الثورة بقوانين محاربة الفساد واستراد الأموال المنهوبة. تسيطر على بعض «ممثّلي» الثورة عقلية محاسب مهووس بسؤال «من أي لك هذا؟». وفي تمسّكهم بهذا الخطاب، يلتقون مع السلطة، وإن كانوا يختلفون معها على التفاصيل. البديل جاهز دائماً بالنسبة لأولئك «الإصلاحيّين»: برنامج إنقاذي، حكومة انتقالية، انتخابات مبكرة، ومن ثم ننكبّ على استعادة الأموال المنهوبة. ليس من مشكلة مع خرائط الطريق هذه، ولكن ما يجري أكبر من ذلك، أجمل من ذلك، وأعمق من ذلك.


الثورة ليست في وجه «بي الكل» لأنه فاسد فقط، بل هي في العمق في مواجهة كلّ بيّ، كلّ سلطة تحكمنا. إن شاء الله، سنستردّ الأموال المنهوبة، وسيكون للكلّ دورٌ في قيادة المرحلة الانتقالية. ولكن قبل الوصول إلى جنّة الإصلاح، هل يمكن أن نأخذ نفساً واحداً ونستمتع بما يجري؟ نستمتع بسقوط الآباء، واحداً تلو الآخر؟ إنّها ثورة ضد الفساد، ولكنها أيضا ثورة على الحرب الأهلية، وثورة على مركزية بيروت، وثورة على الذكورية، وثورة على إدارة الجامعة اللبنانية، وثورة على المحاكم الشرعية، وثورة على الإعلام، وثورة على نظام الكفالة، وثورة على خصخصة الساحات، وثورة على اللغة، وثورة على ...


«بي الكل» يسقط في الساحة، ولكنّ الآباء الآخرين يسقطون مع الوقت. هذه الثورات تحتاج إلى وقت، وقت لاستكشاف تضاريس النظام وحدوده، وقت للبحث في شرعيات جديدة، وقت للتمرين على ما تتطلّبه تلك الثورات من كل واحد منا. هي ليست هامشية أو ثانوية أو جانبية بالمقارنة مع «الثورة السياسية» وقياداتها، بل قد تكون الأساس، قد تكون كل ما سيبقى بعد مرور الزمن، قد تكون ما سيسمح لنا بالقول يوماً ما إنّ ما كنا عليه قبل 17 تشرين ليس ما أصبحناه من بعده.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
حدث اليوم - الثلاثاء 27 تشرين الأول 2026
27-10-2026
أخبار
حدث اليوم - الثلاثاء 27 تشرين الأول 2026
الأردن يقصف مدنيّين سوريّين ثمّ يبرّر ويتهرّب
27-10-2026
أخبار
الأردن يقصف مدنيّين سوريّين ثمّ يبرّر ويتهرّب
البالون دور يبتسم لـ«الكينغ هاري»
27-10-2026
أخبار
البالون دور يبتسم لـ«الكينغ هاري»
4 سيناريوهات مُرجَّحة للانتخابات الإسرائيلية
27-10-2026
تقرير
4 سيناريوهات مُرجَّحة للانتخابات الإسرائيلية
السيسي ينتقم من «مدى مصر»: بدعة «الترخيص» حيلةً لقمع الصحافيين
27-10-2026
تقرير
السيسي ينتقم من «مدى مصر»: بدعة «الترخيص» حيلةً لقمع الصحافيين
لا أغلبية والعرب ليسوا «بيضة القبّان»: المشهد يوم الانتخابات الإسرائيلية
27-10-2026
تقرير
لا أغلبية والعرب ليسوا «بيضة القبّان»: المشهد يوم الانتخابات الإسرائيلية