اقتصادهم النيوليبرالي وأحلامنا المحدولة

روَت لي سيّدة تعمل في قطاع التعليم، وهي متعاقدة تقبض راتبها على الساعة (بالليرة اللبنانية طبعًا)، أنّها واظبت شهريًا مدّة 30 عاماً على إيداع نسبة منه في حسابٍ مصرفي. تقول إنّها راكمت حتّى اليوم 30 مليون ل.ل.، أرادت تركهم لولدَيها الاثنين بعد وفاتها. ثم أضافت: هلق هول صاروا 3 آلاف دولار. 30 سنة تعب كرمال ولادي بس اترك هالدنيا، راحوا هيك.

تزامن ذلك مع تصريح لرجلٍ حقير، مالك شركات، ربّما نائب، يُدعى ميشال ضاهر، يحتفل بأنّ لبنان أصبح بلدًا رخيصًا بعد أن كلّفهُ عشاؤه وأصدقاءه 60$ بدل 360 ألفاً.

هذا مثال مبسّط عن التفاوت الطبقي، بين الاقتصاد النيوليبرالي للضاهر وما يُمثّل، والأحلام المحدولة للمعلّمة وطبقتها.

قد تبدو المسألة هنا فاقعة، لأنّ النقيضَين تزامنا في لحظةٍ واحدة. إلّا أن الآلاف عانوا من محدلة الاقتصاد على مدى عقود، ولو بشكلٍ غير مباشر. شكل غير مباشر لدرجة إيهام البعض أنّه لم يحصل قط. شكل غير مباشر، عزّزته شبكة العلاقات الزبائنية، لدرجة تماهي الضحيّة مع الجلّاد.

الحقوق البسيطة تصبح إكراميّة الزعيم علينا. وحتى لو تجرّأ أحدهم على الشكّ، أو عدم الموافقة على كامل آراء «الحزب»، فإنّه سيلبد، لئلّا يخسر ما بات يراه امتيازًا- امتياز أن يُدخل ابنه في الدولة أو والدته إلى المشفى، عبر تلفونٍ مع مسؤول المنطقة.

كلّ هذه الأخطبوطيّة جزء مؤسّس للاقتصاد النيوليبرالي بحلّته اللبنانيّة.

ثم حين تنبّه المجتمع إلى أنّ الاقتصاد المُلَبرَل، أي المقلوب ليبراليًا، يستحوذ على ثرواتهم، يُمركزها بيد القلّة ثم يعطيهم الفُتات، تدخّلت البروباغندا لإيهام المتضرّرين أن بلاءهم سببه «فساد» ما أم «أخلاق سيئة» أم «امتحان ربّاني» لنتعلّم الصبر والبصيرة. وانطوَت الحيلة على السواد الأعظم. ثمّ باتت مَطالب جذرية كالضريبة التصاعدية أو تأميم المصارف تُقابَل بالنفور لأنّ «مش وقتها وأصلاً كتير شيوعية، مشكلتنا اليوم مع الفاسدين!».

كل ما يمسّ بالنموذج، مش وقته. لكن أحلامنا التي حدَلها النموذج عينه، متى وقتها؟

الثلاثاء 8 كانون الأول، أعلن فضلو خوري عن دولرة الأقساط. وفي اليوم التالي، بينما يُكتَب هذا المقال، اتّخذت الجامعة الأميركية اللبنانية القرار عينه، على أن تتّبعهم باقي الجامعات الخاصة. كلّها تتحجّج بالظروف الصعبة، ومن بين كل الحلول الاقتصادية الممكنة، اختارت إلقاء تبِعات الأزمة على الطلّاب، وهذا فعليًّا حلّ سياسيّ.

هكذا، بشخطة قلم، يحدل القطاع الخاص أحلام آلاف الطلاب. منهم من سيتوقّف عامه الجامعي في منتصفه، ومنهم من سيستدين لإكماله. وجميعهم، يبحث الآن عن صيغة جديدة للتحصيل الأكاديمي، متخليًّا عن خططه التي كان قد بناها لنفسه سابقًا. أحلام شابّة، على حَيلها، حدلها الاقتصاد النيولبرالي.

أوسع من الشباب والطلّاب؛ صدر منذ أيّام تقريرٍ لشركة «غالوب»، وهو يحاول أن يُكمّم المشاعر والمزاجات، ليتبيّن أن اللبنانيّين (والأمر ينطلي على كافّة الخاضعين للنظام اللبناني) حصدوا أعلى زيادة في نسبة المشاعر السلبية بين كل الشعوب بين عامَي 2018 و2019، وهو عام انهيار النموذج الاقتصادي النيولبرالي.

المشكلة، أنّه حتى اللحظة، يُرَمَّم هذا النموذج المنهار بطروحاتٍ نيولبرالية هي الأخرى. ما يستتبع حدل المزيد من الأحلام في الآتي من الأيام. لكن «الحل سياسي»، متّفقين. إنّما الأهم، أنّ الحل السياسي لا يشمل حصراً حلًّا للمسائل الاقتصادية، بل هو مدخل لحل الأزمة الاجتماعية عمومًا.

هو مدخل لبلوغ السعادة أقول، حتّى ولو بدا في الأمر مبالغة. «تسييس الطموح نحو السعادة»، هذا شعارنا في معركتنا ضدّ اقتصادهم النيولبرالي، إلى أن نفجّر محدلة الأحلام هذه. علّنا، يوماً ما، نسترجع أحلامنا المنهوبة، وهي توازي من حيث الأهمية كل الأموال المنهوبة، لا بل أكثر.

الـ«ليبانيز إكويليبريوم» للبطالة والتهجير

يوميّات الانهيارتهجيراً - وإمّا بقاءً بين العمل أو البطالةالجورة المُسمّاة لبنان«ليبانيز إكويليبريوم»رايح كفّي ماسترز برّاالجحيم

التباسات ميقاتي وخطورته

الصفقات التجاريّة والاستثماريّة في قطاعَي الاتصالات والشحنرأس رياض سلامةأولى العواصم التي يزورهاالتصرّف بأموال حقوق السحب الخاصّةمتفهِّماً لأهمية التفاوض مع صندوق النقدانسجامه مع معسكر المصارفحساب المودعين وسعر الصرف على المدى الطويل